الخميس، 23 أغسطس 2012

هل تصبح دراسات الرأي العام الافتراضي البديل الأنسب؟

 هل تصبح دراسات الرأي العام الافتراضي البديل الأنسب لدراسات الرأي العام بتكلفتها العالية وصدقيتها المتراجعة؟ تعاني دراسات الرأي العام من عدة صعوبات تجعل هذه الدراسات تتسم بدرجة عالية من النسبية وقد لا تكون معبرة عن الرأي العام بصورة حقيقية، بالإضافة لصعوبات التكلفة التي تجعل من إجراء مسوح ودراسات الرأي العام – بعيدا عن الصعوبات المنهجية - أكثر صعوبة. وفيما يلي، نتناول أهم مشكلات بحوث ودراسات الرأي العام، في محاولة لتوضيح استجابات حقل دراسات الرأي العام الافتراضي لتجاوزها والتغلب عليها.

 

الرأي العام لم يعد ظاهرة كامنة

من المعروف في أدبيات دراسة الرأي العام أنه يظل كامنا حتى تظهر مسألة أو قضية معينة تظهر عادة حينما يوجد تصادم أو ظاهرة رفض، غير أن هذه الخاصية لم تعد قائمة فيما يتعلق بحقل دراسات الرأي العام الافتراضي. فمن خلال خبرتي المتواضعة في هذا المجال وجدت أن كل القضايا التي نحتاج التعرف عليها في المستقبل مثارة بالفعل، وطرح أسئلتها يبدأ بالفعل قبل وجود حدث مركزي هام يؤثر على مصالح الناس.
ففي المنصات المختلفة للإعلام الاجتماعي؛ والمتمثلة في الشبكات الاجتماعية العامة غير الوظيفية، ومساحات التعليق على المحتوى، وشبكات المحتوى المحدود، والمنتديات، هذه المنصات تضم نخبة كبيرة من المثقفين الذين ينتجون فاعليات متعددة تتعلق بمجالات اهتمامهم. هذه الفاعليات تتضمن ردودا من بقية المستخدمين الموجودين في دوائر اهتمامهم، كما تتضمن إعادة تدوير للمحتوى الذي ينشرونه بطرق مختلفة، وتكون وسائل إعادة التدوير أو الردود القائمة وسيلة لتحديد الفاعلين الأكثر اهتماما بقضية بعينها. ناهيك عن أن بعض المنصات تتضمن أكثر من أداة لبناء جماعات الاهتمام، وبخاصة الشبكات الاجتماعية والمنتديات التي تعد الإطار الأمثل لعملية بناء هذه الجماعات Community Building، وهو ما يتيح بناء قاعدة بيانات كبرى أو مرصد متخصص لكل قضية على حدة.
ومن الخواص الأكثر إلهاما في مجال دراسات الرأي العام الافتراضي أنه على عكس المتصور في دراسات الرأي العام الحقيقي، يمكن أن يكشف الرأي العام عن نفسه في أي حالة تأخذها القضية، سواء أكانت تمثل فرصة لمصالح جماعات الاهتمام - التي ستتحول إلى مجتمعنا البحثي في مرحلة فنية لاحقة – كما يمكن أن نتابعها حتى لو كانت القضية موضوع الرصد تمثل تفاعلا سلبيا مع مصالح هذه الجماعات المهتمة.
فمن السائد – كقناعة - في دراسات الرأي العام (الحقيقي) أنه يمكن أن يكشف الرأي العام عن نفسه حينما يكون العامل المؤثر أو التعبير عن الاتجاه بالأفعال ذات نتائج طيبة أكثر من النتائج السلبية. غير أن هذه القناعة تتحطم أمام الحالة الموضوعية التي نجد عليها استجابات وتغذيات جماعات الاهتمام، وهي التغذيات التي تنتج محتوى قابل للدراسة؛ سواء أكانت الظاهرة المحتملة تمثل تهديدا أو فرصة من وجهة نظر جماعات الاهتمام هذه. والأمر في هذه الحالة أقرب لاستطلاع رأي النخبة، وهو أمر له مزايا بقدر ما يحمل من تحيزات. لكن هذه التحيزات - على الأقل – يمكن أن تزودنا بتفاصيل ونتوءات طيبة فيما يتعلق بصياغة أسئلة البحث أو فرضياته. هذا إذا لم تكن هذه التحيزات قيمة في ذاتها تستحق الدراسة باعتبارها توفر الأساس الموضوعي للاستقطاب المستقبلي للرأي العام الافتراضي.



 

دراسة عملية تشكل الرأي العام ممكنة بفاعلية
 
من المعروف أن عملية دراسة تشكل الرأي العام وتحولاته تعتبر عملية صعبة، وبخاصة مع اللجوء للإجراءات البحثية الملائمة لدراسة هذه الظاهرة. فمثل هذه المتابعة تحتاج لتتابع مراحل رصد الرأي العام نفسها على فترات دورية تجاه نفس القضية أو تجاه حزمة من القضايا المجمعة، ومقارنة نتائج هذه الدراسات الدورية بنتائج تحليل مضمون وتحليل خطاب مصادر تشكيل الرأي العام من صحافة وقنوات فضائية، لمعرفة توجهات الرأي العام في أعقابها، وهو ما يعني ضمنا تحديد قنوات التأثير الفعال على الرأي العام في كل مرحلة من مراحل تحوله. هذه الصعوبة تكاد تختفي فيما يتعلق بدراسات الرأي العام الافتراضي.
المعروف أن الرأي العام يتكون عبر عدة مراحل تبدأ بمرحلة الإحساس والإدراك حيث يدرك العلاقة بين مصلحته وبين المدخلات التي تحاول التأثير عليها. وبعد تبلور هذا الإدراك تبدأ المرحلة الثانية المتمثلة في مرحلة تشكل الرأي الفردي ومحاولة نشره، ويلي ذلك أحد أهم مراحل تشكل الرأي العام المتمثلة في مرحلة التدافع بين رأي الفرد وآراء المحيطين به، حيث يبدأ الجمع في التحزب حول وجهات نظر محددة، ويحسم النقاش حجم هذه المساحات الاجتماعية المؤيدة لوجهة نظر أو رؤية من الرؤى، وهذه الأخيرة هي مرحلة تبلور الرأي العام.
وتكمن قيمة الواقع الافتراضي في دراسة عملية تشكل الرأي العام الافتراضي فيما يلي:
أ – تمتلك وسائل التعبير عن الرأي العام الافتراضي خاصية لا نكاد نتحصل على مثيلها في الواقع الحقيقي؛ إلا وهي خاصية "الطابع الزمني" أو "Time Stamp". وقيمة هذا الطابع الزمني أنه يمكنني بدرجة دقة عالية من متابعة تولد الآراء المختلفة، كما أنه يمكنني من الرصد الدقيق لتحولات الرأي العام الافتراضي. وغني عن البيان أن هذه الخاصية تتعدى في فائدتها هاتين الخدمتين، وتفاصيل ما تقدمه من نفع تختلف من دراسة لأخرى ومن موضوع لآخر، لكنها تمكن – بصفة عامة – من تحديد تأثير عنصر الزمن – على الظاهرة موضوع الدراسة.
ب – القيمة المهمة الأخرى التي توفرها لي البيئة الافتراضية تتمثل في ذلك الدمج المذهل والتزامن الدقيق بين الرأي العام الافتراضي وبين مصادر تشكله. فميزة الروابط التشعبية Hyper Linking وميزة التخزين طويل المدى اللذان يعتبران القيمة الأكبر للإنترنت تمكنان الناس من استدعاء أي نوع من المحتوى ووضعه في سياقه النقاشي/الحواري، سواء أكان هذا المحتوى نص أو صوت أو صورة أو فيديو أو حتى تاريخ نقاشي. وفي هذا السياق، فإن لدينا سياق قدرة مستخدم الإنترنت على تحويل المحتوى من وسيط إعلامي إلى آخر، حيث يمكنه تسجيل لقاء إذاعي أو تليفزيوني وبثه على الإنترنت عبر رابط دائم يمكن استخدامه عبر مختلف منصات وسائط التعبير عن الرأي العام الافتراضي. ومن هنا يمكن لنا متابعة تأثير مصادر تشكل الرأي العام على عملية بناء وتطور وتغير الرأي العام الافتراضي، بل ويمكننا الحديث عن ذلك التأثير من خلال وزن نسبي بدرجة صدقية عالية.



 

سهولة دراسة العناصر المؤثرة على الرأي العام الافتراضي

تمثل العوامل الثقافية إطارا حاكما للرأي العام؛ ويحدث التدافع في هذا الصدد بين روافد متعددة كالعلاقة بين الموروث والوافد، أو العلاقة بين التقاليد والأعراف وتداعيات تطور المجتمع الذي تظهر فيه ظاهرة الرأي العام. ويتأثر الرأي العام قطعا تأثرا كبيرا بالنسق السياسي السائد في محل تشكله وظهوره للعلن؛ حيث أن التدافع الإعلامي وحالة الحوار أو الصدام أو انعدام هذه العوامل جميعها يؤثر في بناء الرأي العام. كما أن الرأي العام يتأثر نوعيا بطبيعة نوعية الأحداث والمشكلات التي تحيله من حالة الكمون لحالة العلن، فضلا عن تأثير الإعلام والدعاية أو الشائعات. ويميل بعض الخبراء لاعتبار أن العوامل النفسية وحتى الفسيولوجية تؤثر على تشكيل الرأي العام؛ وإن كان الباحث يرى أن الاعتبارات النفسية والفسيولوجية عناصر ذات تأثير فردي، ولا يمكن اعتبارها إلا في حالة وجود ظاهرة نفسية أو فسيولوجية.
ويزودنا وعاء الرأي العام الافتراضي بإمكانية دراسة هذه العوامل جميعها من خلال ما يتيحه لنا من إمكانات الفصل بين المتغيرات التي تنتج الرأي العام في صورته الأخيرة (الأخيرة نسبيا بطبيعة الحال). حيث يمكننا بسهولة وضع فرضيات عن المتغيرات المنخرطة في حالة التدافع في عالم الأفكار كالمقابلة بين الأصالة والمعاصرة، أو الموروث والوافد، أو التيارات الفكرية المختلفة، أو حتى تأثير السمات الشخصية الأكثر فرادة كعناصر الشخصية والقدرة على التأثير في الرأي العام.
وإذا كانت دراسات الرأي العام في اتجاهها العام لا يمكنها تحديد تأثير العوامل النفسية أو الفسيولوجية، فإن قدرة وعاء الرأي العام الافتراضي على الفصل بين ظاهرة قيادة الرأي وصناعته وبين ظاهرة الرأي العام الافتراضي نفسها؛ فإن هذا يمنحنا قدرة هائلة على دراسة الشخصيات التي تتولى صناعة الرأي العام، ولداعي مراعاة البعد القانوني؛ فإن الخريطة الذهنية Profile التي تمكننا من دراسة العناصر النفسية والفسيولوجية يمكن أن تتسم بالمشروعية البعيدة تماما عن عملية انتهاك الخصوية التي هي عملية إجرامية أخلاقيا قبل أن تكون عملية إجرامية قانونا.
 


اعتبار التكلفة

لو نظرنا لاعتبار التكلفة لوجدنا أن دراسة الرأي العام تحتاج إلى إعداد استمارة مبدئية، ثم اللجوء لخبراء لتحكيمها، ثم اختبارها في دراسة استطلاعية، ثم العودة بها للخبراء بعد الدراسة الاستطلاعية لتحليل عيوبها، ثم تعديل هذه الاستمارة، ثم طباعتها، وتأتي بعد ذلك أصعب المراحل التي تتمثل في الحصول على عينة ممثلة للمجتمع البحثي، وتأتي من خلال الأجهزة المتخصصة أو من خلال اللجوء لأقرب بديل كافي يغني عن الوصول لعينة حقيقية تناسب أغراض البحث، سواء أكانت عينة عشوائية أو طبقية أو غيرها من أنواع العينات التي يلائم كل منها طبيعة السؤال البحثي الذي على الاستمارة وتطبيقها أن يجيبا عليه. وبعد ذلك على الباحث استئجار باحثين مساعدين للوصول بالاستمارة إلى المبحوثين، أو الاتصال بالمبحوثين للحصول على إجاباتهم على أسئلتها، ثم تكويد هذه الاستمارات، ثم تحليلها؛ وهو الإجراء الذي يحتاج لنسخة كاملة من تطبيقات تحليلية متخصصة في فحص وتحليل معطيات العلوم الاجتماعية، وأخيرا تأتي عملية كتابة التقرير النهائي، هذا بالطبع مع افتراض تجاوز عقبة موافقة الجهات المسؤولة عن مراقبة عملية جمع المعلومات من الجماهير.
اعتبار التكلفة يقف حائلا دون اتساع نطاق دراسات الرأي العام. وفي هذا السياق، تقف دراسات الرأي العام الافتراضي كبديل واعد يغني المؤسسات البحثية عن اللجوء لقطاع كبير من هذه السلسلة الطويلة من الإجراءات المكلفة.
فالمجتمع البحثي – في الواقع الافتراضي - متاح ومصنف بصورة أولية؛ بما يساعد على إجراء الدراسة الاستطلاعية. وتجدر الإشارة إلى أن التصنيف الذي تحدثنا عنه للمجتمع البحثي هو السبيل الأنجع للوصول إلى دراسة سليمة وقانونية. فجمع البيانات الافتراضية يحتاج إلى تجاوز عقبة قانونية مهمة تسمى عقبة احتمال انتهاك الخصوصية. والقيمة الأساسية لما نسميه فهرسة وتصنيف المجتمع البحثي هنا أنها وسيلة لتجاوز الحسابات الشخصية والوصول إلى ما يمكن تسميته "المجال العام الافتراضي"؛ حيث لا مجال لوجود خصوصية تطغى على المحتوى الذي ينتجه أعضاء الشبكات الاجتماعية.
كل ما على الباحث في هذا الصدد أن يقوم بعملية إعداد بسيطة من خلال بناء مرصد يجمع هذا التصنيف الأولي، وأن يحدد بدقة صيغة الأسئلة التي يحتاج الإجابة عليها، ثم يحدد فئات الرصد التي تحقق هدفه من الدراسة؛ ثم يشرع في العمل الفني البحثي.
 


اعتبار صدقية التعبير عن المجتمع البحثي 
من الظواهر بالغة الأهمية التي تطعن – من وجهة نظر الباحث – في نتيجة دراسات "الرأي العام الحقيقي" أن الباحث المسؤول عن المشروع البحثي يكون إشرافه على سير الإجراءات في مرحلة جمع البيانات إشرافا صوريا. فهو لا يمكنه توثيق مساحة لقاء الباحث المساعد مع المبحوث، ولا يمكنه التأكد يقينا من أن الباحث المساعد قد التقى أفراد العينة المعبرة عن المجتمع البحثي المستهدف، ولا يمكنه الجزم بان الباحث التقى مبحوثين فعلا أو أنه قام بتسويد الاستمارات بنفسه. ويزداد الأمر سوءا في حال كون الاستمارة خلو من البيانات الشخصية للمبحوث، وهو الأمر الغالب في دراسات الرأي العام "الحقيقي".
الأمر يختلف عن هذا تماما في سياق دراسات الراي العام الافتراضي. فالعلاقة وثيقة بين الباحث الرئيس وبين المجتمع البحثي. وحتى مع وجود باحث مساعد، فإن قواعد البيانات الخاصة بالمرصد تجعله قادرا على متابعة عينة من إفادات المجتمع البحثي، إن بصورة فردية أو بصورة كلية جماعية، وهو ما يجعل البحث أكثر دقة في التعبير عن الرأي العام.
والأكثر إفادة في هذا الصدد أن الباحث يكون قادرا على التمييز بين المصادر المحتملة لإنتاج دراسة متحيزة. فالرأي العام الافتراضي عرضة للتأثر بمتغيرات التكتل التعبيري؛ الذي يسميه البعض اللجان الإليكترونية؛ إن المؤيدة أو المعارضة. هذا التكتل التعبيري يمكن اكتشافه بسهولة عبر التأكد من سلامة عضوية أعضاء أي منصة افتراضية. وهذا يكون من أدوار المشرفين على المرصد الذي يمثل قاعدة البيانات الأكبر في هذا النوع من الدراسات.

السبت، 14 يوليو 2012

ماهية الرأي العام الافتراضي



يصعب تقبل تعريف الرأي العام الافتراضي قبل أن ندرك أبعاده وخصوصيته، ومع هذا؛ نجد أنه من المهم وضع أرضية ملموسة في البداية قبل أن ننطلق لنحدد معها سمات الرأي العام الافتراضي التي تمنحه قدرا من التمايز عن الرأي العام.

نحو تعريف مبدئي للرأي العام الافتراضي
والرأي العام الافتراضي كما يراه الباحث هو خريطة، تعكس محصلة التدافع بين وجهات نظر الجماعات المختلفة؛ الناشطة أونلاين؛ عبر مختلف منصات التعبير عن الرأي؛ حيال قضية أو قرار أو حدث يمس مصلحة حيوية أو أكثر من مصالح هذه الجماعات.وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن منصات التعبير عن الرأي العام هي: 
أ – الشبكات الاجتماعية العامة غير الوظيفية: ونعنى بها هنا مواقع التشبيك الاجتماعي مثل Facebook أو Orkut أو Hi5. وياخذ فيها الحوار طابعا لا يكاد يفرق بين منتج المحتوى الأساسي أو المحتوى المشتبك معه؛ حيث إن هذه المنصات؛ وبخاصة Facebook لا يفرق بين الإمكانيات المتاحة لمنتج المحتوى الأساسي (POST) والإمكانت المتاحة للاشتباك معه (Comment) أو (Like) أو (Emotions).. إلخ. وقد استبعدنا الشبكات الوظيفية مثل Flixter وغيرها لأنها تكون متعلقة بموضوعها أكثر منها معنية بإدارة النقاش حول قضية عامة.
ب – مساحات التعليق على المحتوى: ونعني بها تلك المساحات التي يقوم فيها متلقي المحتوى الاتصالي عبر الإنترنت بإبداء رأيه تعليقا على المحتوى، سواء أكان هذا المحتوى فيديو كما في YouTube، أو صورة كما في Picasa أو Flickr، أو نص خبري كما في التعليقات على محتوى المواقع الإخبارية، أو في شبكات التدوين المختلفة.
ج – شبكات المحتوى المحدود: ونعني بها مواقع مثل تويتر Twitter وTwit Pics، وغيرها.
د – المنتديات.

الرأي العام الافتراضي وارتباطه بـ"ويب 3.0"
وبالرغم من أن معظم الكتابات الغربية حتى اليوم؛ مثل كتابات Zizi Papacharissi و CHIN-FU HUNG وPatrick Marshal؛ لا تزال تربط ما بين الإعلام الجديد وظاهرة الرأي العام الافتراضي، وبعضها يتحدث عن قواعد البيانات التقليدية المتعلقة بالتصويت؛ إلا أن الرأي العام الافتراضي ظاهرة لا تتعلق بالإعلام الجديد New Media في ذاته، بل تتعلق بمرحلة نوعية منه هي المرحلة المتأخرة من الجيل الثاني للإنترنت WEB 2.0؛ وهي المرحلة المعروفة تجاوزا باسم Web 3.0، مع استثناء وحيد ذو طبيعة خاصة سنأتي على ذكره لاحقا، وطبيعته الخاصة هذه تجعلنا مترددين في احتسابه ضمن منصات الإعلام الاجتماعي أم لا.وهذا يجرنا للتساؤل حول قيمة ويب 3.0 في بناء تعريف الرأي العام الافتراضي. ومدى جوهرية تطور الإنترنت في تحديد الرأي العام الافتراضي مما لا يمكن اعتباره رأيا عاما افتراضيا. وبادئ ذي بدء نحتاج لتعريف معنى ويب 2.0 وويب 3.0.
 

ويب 2.0 هو مصطلح إنترنتي ظهر في عام 2003، يشير إلى تلك التقنيات الجديدة التي أدت إلى تغيير سلوك شبكة الإنترنت. وبرغم أن الخبراء لا يؤمنون بوجود تعريف دقيق لـ "ويب 2.0". إلا أنهم متفقون على أنها تعبر ببساطة عن مجموعة من التطبيقات المعتمدة على خصائص الإنترنت، والتي يمكن تحديد خصائصها في سماحها للمستخدمين باستخدام برامج تعتمد على المتصفح/الموقع فقط. لذلك هؤلاء المستخدمين يستطيعون امتلاك قاعدة بيناتهم الخاصة على الموقع بالإضافة إلى القدرة على التحكم بها، كما أنها تسمح للمستخدمين بإضافة محتوى لتلك البرامج، وتسمح للمستخدمين بالتعبير عن أنفسهم واهتماماتهم وثقافتهم. وتزود هذه التطبيقات المستخدمين بأنظمة تفاعلية تسمح بمشاركتهم في تفاعل اجتماعي. وهي أخيرا تسمح للمستخدمين بإنشاء قواعد بيانات تشاركية وتسمح لهم بتعديل قواعد البيانات هذه من خلال إضافة وتغيير أو حذف المعلومات.
 

أما ويب 3.0 فتعتبر جزء من ثورة ويب 2.0، لكنها جزء نوعي، يقوم على بناء حزمة من التطبيقات التي سهلت تنقل المحتوى من موقع لآخر ومن وسيط إنترنتي لوسيط إنترنتي آخر، كأن ننقل فيديو من موقع يوتيوب لمدونة من المدونات أو لشبكة تواصل اجتماعي مثل فيسبوك Facebook، وهو ما سهل التشبيك بين قوالب المحتوى المختلفة نفسها، وسهل عملية تبادل وتداول الأفكار بقدر ما سهل عملية دعم ونقد الأفكار.

لماذا إذا نعتبر ويب 3.0 جزءا لا يتجزأ من تعريف الرأي العام الافتراضي؟ ولماذا نتخذ تدابير استثنائية حيال كل منصة من منصات الإعلام الاجتماعي لا تنتمي لهذه المرحلة من مراحل تطور الشبكة العنكبوتية؟ الإجابة تتمثل فيما أسميه بـ"سيادة مستخدم الإنترنت". فماذا تعني سيادة المستخدم؟

الإنترنت الجديدة وسيادة المستخدم
"سيادة مستخدم الإنترنت" مصطلح صككته للتعبير عن مدى احترام رأي مستخدم الإنترنت في المنصات الاجتماعية. فالفارق الأساسي ما بين ويب 1.0 وويب 3.0 أن مساهمة المستخدم تكون محل تقدير أكثر، وموضع احترام أعلى.
ففي المواقع المنبنية على قواعد بيانات تنتمي لـ"ويب 1.0" و"ويب 2.0" نجد أن مساهمات مستخدمي الإنترنت تكون مكشوفة بالكامل لأي شخص له صلاحيات إدارية في الموقع، ويستطيع في هذا الصدد أن يتعامل مع مشاركات زوار الموقع بصفته إلها يمنح حق الوجود ويحكم بالعدم على ما يشاء من مساهمات زوار الموقع. بل إنه يملك كل الحق في أن يتحكم بعضوية الزائر نفسه، ناهيك عن استطاعته التحكم في صلاحياته؛ فيمنعه بالتالي من دخول أقسام بعينها أو من التمتع بحقوق بعينها.
الأمر يختلف مع تطبيقات ويب 3.0 التشبيكية، حيث إن مساهمات المستخدم تقع تحت سيطرته هو فقط، ومن ثم فهو وحده من له الحق في أن يضيف ما يشاء وأن يمحو ما يشاء. ففي هذه النوعية من التطبيقات صار المستخدم هو السيد وليس مالك الموقع.
ولكي نكون عمليين أكثر؛ لنأخذ أمثلة تطبيقية.

قراءة في سمات مواقع المحتوى المنتج بواسطة المستخدمين
تنتمي المدونات وسائر مواقع "المحتوى المنتج بواسطة المستخدمين UGC"؛ مثل YouTube وFlickr وغيرها إلى مساحة الإعلام الجديد New Media المنتمية إلى ويب 2.0، ولكن هل يجعلها هذا من قبيل منصات الرأي العام الافتراضي؟ والإجابة على ذلك هي قطعا لا. فهي بهذا المعنى لا تعدو أن تكون مساحات لنشر المحتوى لا تختلف عن مساحة الإنترنت القديمة سوى في أنها كسرت احتكار القلة للنشر عبر الإنترنت وقضت على أوتوقراطية الإنترنت القديمة وأوليجاركيتها.المتأمل للمدونات ومواقع التيوب ومواقع ألبومات الصور يجد أنها لا تنتمي لجيل الإعلام متعدد الاتجاهات Many to Many إلا بصورة مجازية؛ حتى لو اعتبرناها في أيام تعرفنا الأولي على النيوميديا باعتبارها تنتمي لجيل الإعلام متعدد الاتجاهات. ففي النهاية كل صاحب محتوى أصبح له الحق في نشره فقط. أما الإعلام الاجتماعي فكان حتى وقت قريب يتمثل فقط في الشبكات الاجتماعية.
غير أن التطور التقني في ويب 3.0 جعل الشبكات الاجتماعية تطور من قدرتها على احتواء المحتوى، كما سمح لمواقع المحتوى المنتج بواسطة المستخدمين USER Generated Content أو UGC بتطوير إمكانياتها التشبيكية؛ وإن كان تطور الإمكانات التشبيكية لمواقع الـ UGCتم بصورة أكثر تواضعا بكثير من ذلك التطور الذي شهدته مواقع التشبيك في تطوير قدرتها على احتواء المحتوى نصا كان أو صورة أو فيديو. وهكذا؛ فإن إتاحة التعليق في مواقع UGC نقلت هذه المواقع إلى مساحات المواقع المعبرة عن الرأي العام الافتراضي جنبا إلى جنب مع الشبكات الاجتماعية، وأضحى المستخدم يتمتع بسيادة على أي محتوى أو محتوى مضاد يقوم هو نفسه بإضافته.

قراءة في سمات مساحات التعليق على مواقع المحتوى
عندما ننظر إلى إمكانية التعليق على المواقع الإخبارية نجد أن هذه المواقع تنقسم بحسب هذه الإمكانية إلى ثلاثة أقسام:أ - قسم بائد يكاد يذوي لا يتيح إمكانية التعليق.
ب - قسم يتسع ياستمرار يتيح إمكانية التعيق مع إتاحة القدرة لمالك الموقع الإخباري على التحكم في التعليقات.
ج - قسم ثالث يتيح لمستخدمي الإنترنت التعيق فيه عقب اشتراكهم في الموقع بأحد الهويات المفتوحة Open Ids مثل Twitter أو Facebook أو Google+.
هذه الأشكال الثلاثة تثير إشكالية تتعلق بتحديد ما ينتمي للرأي العام الافتراضي وما لا ينتمي إليه. فلو استبعدنا تماما المواقع الإعلامية التي لا تتيح إمكانية التعليق سنجد أننا أمام نمطين من مساحات التعليق على المحتوى:
النمط الأول يمكن فيه لمالك الموقع التحكم في التعليقات والسماح بنشر بعضها واستبعاد البعض الآخر، وهو ما يجعل من الصعب منطقا وعملا أن نستوعب مساحة التعليق هذه ضمن منصات الإعلام الاجتماعي المعبرة عن الرأي العام الافتراضي، ما لم نرصد اتجاهات التعليق في هذه المواقع باعتبارها اتجاهات مجردة من دون منحها أوزانا نسبية.
أما النمط الثاني المتمثل في تلك المواقع التي تعمل وفق الهويات المفتوحة؛ فنجد أن مالك موقع المحتوى لا يمكنه التحكم في التعليقات بصورة فردية؛ فهو إما أن يتيح إمكانية التعليق أو لا يتيحها؛ فإذا أتاحها فليس في مقدوره أن يستبعد أيا من التعليقات الواردة من المستخدمين.
ومن نافلة القول في هذا الصدد أن غالبية مواقع UGC تنتمي لذلك القسم الذي يعتمد على الهويات المفتوحة.

المنتديات وسماتها: معضلة الرأي العام الافتراضي
وهو ما سلف وذكرنا أنه يمثل استثناء قاعدة انتماء كل المنصات المعبرة عن الرأي العام الافتراضي إلى ويب 3.0. وهو منصة "المنتديات". وقد نشأت هذه المنصة بصورة أساسية لتعميق مشاركة مستخدمي الإنترنت في إثراء المحتوى؛ بالإضافة لطابعها الخدمي. وارتبطت منذ ظهورها بقدرة مستخدميها على إضافة المحتوى وإثارة النقاش حوله. حتى إن بعض المنتديات بالغت في طلب المشاركة فجعلت التعليق شرط تحميل أي محتوى مدرج في مداخلات أقسامها الفرعية. وبرغم هذه الطبيعة الخاصة؛ إلا أن هذه المنصة لا تنتمي لجيل ويب 3.0؛ فهل هذا ميزة أم عيب؟المشكل المتعلق بالمنتديات يتمثل في أن أي عضو يتم منحه صلاحيات المدير العام للمنتدى أو مدير لأي قسم من أقسام المنتدى، يكون من بين الإمكانات المتاحة أمامه أن يقوم بحذف أي تعليق يراه مخالفا لـ"سياسة المنتدى التحريرية"، أو مخالفا لتفسيره لـ"سياسة المنتدى التحريرية".
هذه المشكلة تجعل من الصعب تقبل حالة المنتدى باعتبارها منصة من منصات التعبير عن الرأي العام الافتراضي. ولكن من ناحية أخرى، يرى البعض أن هذه المنصة قد تكون مفيدة في التعبير عن توجهات أعضاء المنتدى المنخرطين وفق سياسته التحريرية. أي أنها حالة فريدة يتم فيها اعتبار المنتدى الواحد تعبير عن اتجاه أساسي داخل الرأي العام الافتراضي، وهو ما يعني أن المهتم بدراسة المنتديات كمنصة للتعبير عن الرأي العام الافتراضي يتعين عليه أن يكون لديه خريطة بالمنتديات والتوجهات التي تعبر عنها؛ حتى يتمكن من رسم صورة دقيقة لتمثيل الرأي العام الافتراضي في المنتديات.

خاتمة توضيحية
عقب هذا العرض السريع نستطيع أن نؤكد أن المنصات التي ترتبط بـ"ويب 3.0" تكاد تكون المنصات الوحيدة التي يمكن التعامل معها باعتبارها منصات معبرة عن الرأي العام الافتراضي بدون تحوطات أو احترازات منهجية خاصة. وما دون ذلك؛ فإن كل منصة يكون لها احترازاتها الخاصة التي تلائم طبيعتها وسلوكها الخاص بها في التعامل مع المحتوى الذي ينتجه المستخدم. وفي النهاية؛ فإن مصدر النسبية الوحيد بصدد اعتبار أي منصة كمعبر عن الرأي العام الافتراضي يتمثل في مدى ما توفره من احترام لمشاركة المستخدم.

الخميس، 8 يناير 2009

إطلالة على محركات البحث.. مع تركيز على كيفية استخدام محرك البحث جوجل بفاعلية

بدهي أن نقول إن الإنترنت لن تكون ذات فائدة كبيرة بالنسبة لنا لو لم تكن محركات البحث موجودة. فمحركات البحث تصنف المعلومات وتجمعها وتضع لها علامات تيسر لنا الحصول على المعلومة في ثوان معدودة. يوجد على إنترنت اليوم تريليونات الصفحات، وحسب المصادر المتوفرة فإنه قد تم حتى اليوم فهرسة ما يزيد قليلا على عشرة بلايين صفحة. وتتسابق الشركات التي تقوم بفهرسة هذه الصفحات في إتاحتها لمستخدمي إنترنت، والحفاظ على سرعة الاستجابة التي يحصل عليها المستخدم. وإضافة إلى السرعة فإن على قواعد البيانات هذه أن تثبت وجودها بتقديم أجوبة "طازجة"، ومتناسقة، وذات علاقة بما يبحث عنه المستخدم.

في بادئ الأمر، كانت محركات البحث عبارة عن أدلاء تقوم بفهرسة مواقع الإنترنت الجديدة، وقد كان ذلك فعالا عندما كان حجم إنترنت يقدر بملايين الصفحات، غير أن الإنترنت تطورت، وانضم إليها الملايين من مؤسسات القطاع الحكومي والقطاع الاقتصادي الخاص والقطاع الثالث (منظمات المجتمع المدني)، ومليارات الصفحات المرتبطة بالأشخاص والمنظمات والأفكار والأشياء، وغير ذلك من المعلومات. ومع هذا النمو أصبح من الضروري، بل ومن الحتمي إضافة محرك بحث فعال؛ يقوم بفهرسة وتصنيف المعلومات الموجودة ضمن هذه المواقع كي تتمكن من خدمة زوارها بشكل فعال. واليوم، هناك العشرات من الشركات التي تعمل في مجال إنتاج التطبيقات، والتقنيات، وأساليب البحث الجديدة الموجهة لخدمة الإنترنت وغيرها من الشبكات الخاصة (إنترانت).

كيف تعمل محركات البحث
تعمل محركات البحث عن طريق تخزين المعلومات عن عدد كبير من صفحات الويب، والتي تحصل عليها من الإنترنت بواسطة تطبيقات زاحفة Crawlers تتبع كل رابط تتعرف عليه. بعد ذلك يجري تحليل كل صفحة لتحديد كيف ينبغي فهرستها؛ حيث يتم استخلاص الكلمات من العناوين ورؤوس الموضوعات أو حقول خاصة تعرف بـ"ميتا تاجز" (حقول لا تظهر للقارئ لكن تقرأها زواحف محركات البحث). وبعد ذلك يجري تخزين هذه البيانات في قاعدة بيانات تستخدم في عمليات البحث لاحقا.

بعض محركات البحث، مثل جوجل، تخزن كل أو بعض الصفحة المصدر، وتشير لها باعتبارها (صفحة مختفية Cached)، وبعضها تخزن كل كلمة من كل صفحة تجدها. هذه الصفحة المختفية تمسك بنص البحث الفعلي بما أنه هو الذي تمت فهرسته فعليا، لذا فقد تكون مفيدة جدا عندما يكون محتوى الصفحة الحالية قد جرى تحديثه ولم تعد ألفاظ البحث فيه.
عندما يتوجه مستخدم الإنترنت لمحرك البحث طلبا للمعلومات عبر استخدام كلمات مفتاحية، يقوم محرك البحث بالتفتيش في الفهرس، ويقدم للمستخدم قائمة بأكثر صفحات الإنترنت توافقا مع الكلمات التي بحث بها؛ ووفق معايير محرك البحث نفسه؛ ويرفقها بملخص قصير يحتوي على عنوان الوثيقة وأحيانا أجزاء من النص. وعندما نتحدث عن معايير المحرك فإن هذا يعني أن هناك تفاوت بين محركات البحث.
فقيمة أو فائدة أي محرك بحث تعتمد على مدى صلة النتائج التي يفيد بها المستخدم. ومن بين الملايين من الصفحات التي تحتوي على الكلمة أو العبارة المبحوث بها، نجد أن بعضها أوثق صلة بالموضوع من غيرها. ولهذا، فإن معظم محركات البحث توظف أساليب لوضع مراتب النتائج لتقدم أفضل النتائج قبل غيرها من النتائج التي تقل فيها الصلة. والكيفية التي يقرر بها محرك بحث أي الصفحات هي الأفضل تختلف بشكل شاسع من محرك لآخر؛ كما أن الأساليب والتقنيات أيضا تتطور عبر الزمن.
وينبغي أن نلفت إلى أن كثيرا من محركات البحث تعتمد على المضاربات التجارية التي يدعمها عائد إعلاني، حيث يوظف البعض الممارسة المثيرة للجدل بالسماح للمعلنين بدفع النقود ليرفعوا لهم قوائهم في مراتب نتائج البحث.

مشكلات تتعلق بمحركات البحث وطرق تلافيها 
إن مفتاح النجاح في الحصول على نتائج بحث جيدة، تكمن في نوعية العبارات، أو الكلمات المفتاحية أو الاستفسارات، أو الأسئلة التي نقوم بإدخالها في محركات البحث. لكن المشكلة الأساسية هنا تكمن في أن الغالبية العظمى من المستخدمين لا يقومون عادة بإدخال الاستفسارات أو الكلمات المفتاحية الصحيحة، والتي تؤدي إلى الحصول على النتائج المطلوبة، وسنستعرض فيما يلي عدد من الأخطاء في عالم البحث عن المعلومات، والطرق التي يحاول بها الباحثون معالجة هذه المشكلات.

أ - التباسات الكلمات المفتاحية: بعض مستخدمي محركات البحث يستخدمون كلمات مفتاحية Key Words تحمل أكثر من معنى، ومعظم محركات البحث المستخدمة اليوم تقوم بمطابقة الكلمات عينها لا معانيها، ولذلك فإن نتائج عمليات البحث التي نحصل عليها عبر الكلمات المفتاحية الملتبسة تحتوي غالبا على الكلمات المفتاحية الصحيحة، ولكنها ذات المعنى الخاطئ. فإذا جربت مثلا أن تبحث عن معنى كلمة الأزهر باللغة الإنجليزية ستجدها تترجم إلى أزهار (Azhar). وفي هذه الحالة لابد من البحث عن حل بديل يقوم على خطوتين: أولاهما البحث عن الكلمات المفتاحية نفسها في المصادر المستهدفة؛ فننظر كيفية كتابتها؛ وفي حالة الأزهر وجدنا أن بعض المصادر تستخدمها (Al Azhar, Al-Azhar). وعلى من يرغب في اختبار كلمات مفتاحية فعالة فعليه أن يختبرها ليخرج بقائمة من الكلمات الفعالة.
ب - عدم طرح الأسئلة الصحيحة: من الأمور التي يؤكدها خبراء نظم المعلومات كأسباب وراء إخفاقات محركات البحث أن كثير من المستخدمين لا يطرحون الأسئلة التي تعبر عما يريدونه فعلا. والسبب الأساسي في ذلك هو الافتقار إلى الفهم الصحيح للموضوع قيد البحث، وبالتالي عدم استخدام الكلمات المفتاحية الصحيحة، والتي تؤدي إلى تكوين استعلامات وأسئلة صحيحة.
ومعالجة هذه المشكلة تتمثل في مساعدة المستخدمين على طرح الأسئلة الصحيحة وتكوين الاستعلامات الملائمة. ومن مظاهر هذه المشكلة أيضا هي صغر حجم الاستعلامات التي يكونها المستخدم عادة للاستفسار عن موضوع معين. فإذا كان مستخدم ما يريد معلومات عن "السفر" مثلا، فإنه يبدأ بإدخال كلمة عامة في محرك البحث، ومن ثم، واعتمادا على النتائج التي يحصل عليها، يقوم بتضييق نطاق بحثه إلى أن يصل إلى ما يريده. والسبب في أن العديد من مستخدمي إنترنت يستعملون هذا الأسلوب يكمن في أنهم لا يعرفون حقا الحجم المهول للمعلومات الموجودة في قواعد البيانات الخاصة بمحركات البحث، والتي تفوق عادة ما يمكن لأي إنسان التعامل معه.
ج - الموازنة بين الكم والنوع: عند التعامل مع تقنيات البحث فلا بد من الموازنة بين الكم والنوع، أو ما يدعوه الخبراء بالدقة والقدرة على الاسترجاع. وهي علاقة عكسية تماما، فكلما تم تضييق نطاق البحث سعيا عن نتائج أكثر دقة، كلما قل مقدار البيانات التي يمكن استرجاعها. ولذلك فإن ثمة حاجة لوجود محركات بحث تقدم دقة عالية دون التضحية بمقدار النتائج "الدقيقة" التي نسترجعها. وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن دقة محركات البحث تتعلق بنوعيتها بقدر ما تتعلق بارتفاع درجة فهم المستخدم لطبيعة الموضوع الذي يبحث عنه، أو حتى مدى دقة قائمة الكلمات المفتاحية التي يعتمد عليها في بحثه، وهو ما ينتقل بنا للحديث عن درجة دقة محركات البحث انطلاقا من تصنيفها.

تصنيف محركات البحث 
هناك معايير كثيرة لتصنيف محركات البحث، أغلبها معايير فنية، لكننا في هذا الإطار سنقدم المعلومات التي تفيد المستخدم العادي في الحصول على المعلومة التي يريدها من دون الدخول في تفاصيل فلسفة عمل المحركات.
أ - محركات البحث العامة: وهي محركات تتسم بالعمومية في منهج بحثها، ولا تدخل في المواقع التي تتطلب مستويات خصوصية عالية مثل شبكات التواصل الاجتماعي، وتكتسب شهرتها من قدرتها على فهرسة أكبر قدر من النتائج، ويتم استخدامها على نطاق واسع يحدد شهرتها. وأبرز هذه المحركات وأكثرها شعبية على الإطلاق محرك بحث جوجل Google، يليه محرك بحث ياهو Yahoo، يليهما محرك بحث بينج Bing. وهناك عدد كبير من المحركات الهامشية التي لا تتمتع بميزة كبيرة مقارنة بهذه المحركات الثلاث، وبعض هذه المحركات إقليمي لا يعمل خارج حدود الدولة التي يتخصص فيها مثل محرك Go.
ويأتي ترتيب محرك بحث جوجل الأول عالميا؛ بسبب فلسفته العالية في البحث والتصنيف والاستدعاء، فضلا عن كونه متاحا بأكثر من 80 لغة يعمل فيها بكفاءة عالية لا تتاح لنظيريه ياهو وبينج، بالإضافة لقدرته العالية على التكيف مع سعة وسرعة الاتصال المتوفر لدى مستخدم الإنترنت؛ حيث يوفر نسخة قياسية للمستخدمين ذوي السرعة العالية؛ ونسخة هتمل HTML للمستخدمين ذوي السرعات البطيئة، هذا بالإضافة لارتباطه بشبكة اجتماعية قوية هي Google+.
ب - محركات البحث العامة: وهي محركات تنشئها شركات معينة للبحث في قواعد البيانات الداخلية الخاصة بها، أو للبحث في نطاق معين يغلب عليه التخصص، أو يغلب عليه التزامه بإطار خصوصية ينغلق دون المحركات العالمية. وأبرز هذه المحركات محرك Foupas المتخصص في البحث في شبكة فيسبوك. وثمة محرك Zotero المتخصص في البحث العلمي. وثمة محرك Mobilesign المتخصص في لغة الإشارة؛ والذي يضم في قاعدة بياناته أكثر من 5000 مقطع فيديو تفسر المصطلحات العامة للغة المنطوقة بلغة الاشارة. وهناك أيضا محرك pogofrog المتخصص في البحوث الطبية. ولا نفوت محرك Ebookbrowse المتخصص في استعراض الكتب الإليكترونية.

ملحوظات لاستخدام محرك بحث جوجل بفاعلية 
يعد محرك البحث جوجل أقوى محركات البحث العام، وزيارة واحدة لأحد مواقع قياس أداء المواقع مثل موقع Alexa.com تبين لك مرتبة هذا المحرك مقارنة بغيره من المحركات. وهناك عدة طرق لتفعيل البحث عبر هذا المحرك للوصول إلى نتائج أكثر دقة وأكثر ارتباطا بمراد الباحث على هذا المحرك، ومن هذه الطرق اخترنا المجموعة التالية:
أ – الحصول على البدائل: جوجل يبحث عادة عن الصفحات التي تحتوي على جميع الكلمات التي يتم كتابتها في مربع البحث، ولكن إذا كنت ترغب في الصفحات التي تحتوي على مصطلح واحد أو آخر (أو كليهما)، استخدم كلمة or الإنجليزية لكي تتيح لك البحث عن أي من الكلمتين من دون استعراض النتائج التي تظهر بها كل كلمة على حدة.
ب – الاقتباس: إذا كنت ترغب في البحث عن عبارة بالتحديد فمن الأفضل أن تستخدم علامات الاقتباس. إذا قمت بكتابة عبارة (شيخ الأزهر يلتقي) فقط بدون علامات اقتباس فسوف يعرض لك ملايين النتائج التي تتعلق بكل كلمة على حدة من كلمات العبارة، أما إذا بحثت بإضافة علامات اقتباس ("شيخ الأزهر يلتقي")، فسوف تحصل على النتائج التي تتضمن هذه العبارة فقط دون غيرها من التراكيب.
ج – البحث في موقع محدد: لهذا الغرض يمكنك استخدام كلمة موقع بالإنجليزية على النحو المحدد بين الأقواس (Site:)، ثم تكتب بعدها رابط الموقع بدون ترك مسافة، وتترك مسافة ثم تكتب الكلمة التي تريد البحث عنها. مثال: (www.alazhar.gov.eg:Tayyeb)، سوف يجلب لك كل النتائج عن الطيب في هذا الموقع فقط.
د – أنواع الملفات: ففي حالة البحث عن ملفات من نوع معين مثل PDF أو مستندات Word أو جداول بيانات Excel؛ في هذه الحالة يمكن استخدام أمر ":filetype". وبعدها اكتب الكلمة التي تريد البحث عنها، مثال (PDF:Azhar) أو(DOC:Azhar).
هـ - المصطلحات الغير مرغوبة: إذا كان مصطلح بحثك يحتمل أكثر من معنى؛ مثل كلمة جامعة (مؤسسة الأزهر) أو (جامعة الأزهر)، وتريد أن تستبعد نتائج كلمة جامعة؛ فيمكنك تركيز بحثك عن طريق وضع علامة الطرح "-" أمام الكلمات المرتبطة بالمعنى الذي تريد تجنبه. فعلى سبيل المثال؛ يمكنك العثور على صفحات حول الأزهر كمشيخة وليس جامعة بالطريقة التالية: (الأزهر –جامعة).
و – النتائج المماثلة: إذا أردت توسيع نطاق بحثك للحصول على نتائج مماثلة قد لا تكون أدخلتها في مربع كلمات البحث فما عليك سوى وضع علامة (~). مثال (مشيخة الأزهر~) سوف يتيح لك الحصول على كل النتائج المرتبطة بمؤسسة الأزهر والطرق الصوفية والكنائس المشيخية.
ز – التعريفات: للحصول على تعريف قاموسي أو اصطلاحي لمفهوم معين يمكنك استخدام كلمة (:definition) للحصول على تعريف سريع. فعلى سبيل المثال؛ (definition: Azhar] يوفر لك مجموعة كاملة من التعريفات من مصادر وروابط مختلفة أولها سيكون من قواميس الدلالات أو الموسوعات.
ح - البحث عن عبارة كاملة لا تتذكرها بالضبط: يمكنك استخدام الرمز (*). مثال: لو أنك نسيت عنوان المحاضرة في عبارة (الإمام الأكبر يلقي محاضرة مهمة عن فلسفة الأخلاق عند متصوفة مصر في الدولة العباسية)؛ يمكنك البحث هكذا (الإمام الأكبر يلقي محاضرة مهمة عن الأخلاق * العباسية)؛ وسيأتي لك المحرك بالعبارة كاملة.
ط - النسخ المخبأة من الصفحات: بعض المواقع تزيل صفحاتها بعد فترة من الزمن. وللحصول على نسخة مخبأة من صفحة ما قام جوجل بتخزينها على الخوادم الخاصة به؛ يمكنك استخدام الأمر (cached:).
ومن نافلة القول أن نشير إلى أن الاستعمال المتكرر لهذه النصائح يؤدي لزيادة خبرتك مع جوجل، وربما تكتشف بعض الحيل الجديدة التي تساعدك على البحث بشكل أفضل بدلا من تبعثر النتائج والوصول في النهاية إلى سراب.
وتقبلوا فائق التقدير،،

السبت، 27 يناير 2007

من الإعلام التقليدي إلى الإعلام الاجتماعي.. المسيرة والموقع من النظرية الاتصالية

بدأ مصطلح الإعلام الاجتماعي Social Media يطرق مسامعنا منذ 2010 كمصطلح ينتمي لأرضية علوم الإعلام لا كمصطلح ينتمي مساحة خدمات الإنترنت ومسيرتها التواصلية التي بدأت منذ 2003 مع إرهاصات ظهور المرحلة الثانية للإنترنت المعروفة بـ ويب 2.0 أو Web 2.0. ومنذ 2004، كان مصطلح الإعلام الجديد New Media يشق طريقه إلى حيز الوجود؛ فارضا نفسه على مباحث العلوم الاتصالية والإعلامية، مؤذنا بتغيير ثوري في نماذج الاتصال التي قامت على أكتاف الثورة الصناعية؛ منذ اخترع يوحنا جوتنبرج آلة الطباعة في 1436 وحتى التطورات التقنية التي أعقبت تدشين تقنية البث اللاسلكي في 1895 على يد ماركوني، وما أدى إليه ذلك من ظهور البث الإذاعي 1906، ثم البث التليفزيوني الأولي المتكامل في 1929.

في هذه الورقة سوف نستكشف خصائص كل من الإعلام الاجتماعي والإعلام الجديد مقارنة بالإعلام التقليدي Traditional Mass Media. ولا نعني هنا أننا سنعرف كل هذه المراحل الثلاثة من الإعلام تعريفا تفصيليا؛ فهذا أمر يحتاج لمجلدات من الكتب. لكننا سنكتشف الفارق بين هذه المراحل/المسارات الإعلامية الثلاث عبر معيارين أساسيين؛ هما:
 
أ – معيار ملكية الوسيلة الإعلامية.
ب – معيار طبيعة عملية البث.
 
وتقصد الورقة أن تقول إن هذه المراحل قد لا تكون مراحل بالمعنى الدقيق للكلمة، فعنصر التتابع التاريخي قد يكون فارقا في تحديد المراحل الزمنية ووضع حد لكل مرحلة مقارنة بالاخرى، وهو ما جعلنا نفضل استخدام مصطلح مسارات إعلامية؛ لأن استحداث ظاهرة الإعلام الجديد لم يعن بأي حال من الأحوال التأثير سلبا على وجود وحضور الإعلام التقليدي، كما لم يؤثر استحداث ظاهرة الإعلام الاجتماعي على ظاهرتي الإعلام التقليدي والإعلام الجديد. فكل هذه المراحل تجاورت شأنها في ذلك شان روح العصر الصناعي/عصر السوق الذي يقر بالمنافسة ويرفض الاحتكار القائم على نفي الآخر واستبعاده.
 
وبعد هذه التوضيحات المبدئية المهمة نتساءل: ما هي الفوارق بين هذه المراحل الإعلامية من زاوية هذين المعيارين؟
 

المرحلة الأولى: الإعلام التقليدي: 
نقصد بالإعلام التقليدي هنا تلك المساحة الإعلامية التي انتشرت منذ تاريخ اختراع آلة الطباعة وحتى يومنا هذا متمثلة في الصحف والمجلات والإذاعة والتليفزيون والسينما. فكل هذه الأدوات تنتمي للمرحلة التقليدية من الإعلام.
 
والمتأمل لهذه الوسائل جميعها يجد أنها تحتاج لإمكانات عالية، من حيث توفير المحتوى الجماهيري الضخم الذي يكفي صفحات الصحف وفترات البث الإذاعي أو التليفزيوني، كما أنها تحتاج لنفقات إصدار ضخمة، سواء الصحف التي تحتاج مقرا وعاملين ومطبعة وأوراق وأحبار وتقنية طباعة بحسب ثمن الخدمة الإعلامية التي تسديها الوسيلة لجمهورها. كما أن أجهزة الراديو تحتاج لتقنية بث معقدة، واستئجار شبكات تقوية، فضلا عن نفقات التشغيل الأخرى من استديو وغيرها. وقل مثل ذلك على شبكات البث التليفزيوني والفضائي.
 
هذه الخاصية جعلت الإعلام التقليدي موضوعا للاحتكار، يحتكره كل من له قدرة على امتلاك بنيته التحتية، سواء أكان مصدر تلك القدرة هو حيازة رأس المال اللازم؛ أو حيازة القدرة على اتخاذ القرار السياسي الذي يوجه الموارد لامتلاك مثل هذه الوسائل. وترتب على هذا أن اتسمت هذه الوسائل بالتحيز لأفكار وآراء حائزيها وملاكها؛ بما في ذلك المحتوى ذي الطبيعة التعددية كان يتم انتقاؤه واختياره بدقة حتى لا تشهد وسائط الإعلام التقليدية خروقا للسياسة التحريرية تؤدي لتسرب محتوى لا يرضى عنه مالك الوسيلة.
 
وهذه الخاصية كانت تدفع دوما من لا رأي لهم لابتكار وسائل لتوصيل آرائهم، وهو ما دفع بعض وسائط الإعلام التقليدية للاعتماد على الإعلانات كوسيلة لتمويل الوسيط الإعلامي التقليدي الذي يعبر عن توجهاتهم، وبخاصة في تلك البيئات التي تتسم بتدني مستويات الدخول لدى القاعدة الجماهيرية العامة؛ مما يؤدي للتقليل من فرص الاشتراك أو الشراء. ويمكن القول بأن هذه السمة كانت الدافع الرئيسي لتطوير مسار الإعلام الجديد.
 
ومن ناحية أخرى، وعلى صعيد طبيعة البث، كان الإعلام التقليدي يعتمد على منهجية في البث عرفت بين الخبراء بالبث من طرف واحد One to Many، وهذه الخاصية تعني أن المجتمع البشري ينقسم إلى قسمين؛ القسم الأول: وهو القلة القليلة إلى حد الندرة التي تحوز ركائز القوة الاجتماعية السياسية أو الاقتصادية التي تتولى إنتاج المحتوى وبثه، والقسم الثاني وهو الغالبية الساحقة من مكونات هذا المجتمع التي تمثل الجمهور المحتمل للبث الإعلامي. بمعنى آخر، انقسم المجتمع الإنساني بين قلة تتولى بث/صب المحتوى الإعلامي من جهة، ومن جهة أخرى هناك بقية المجتمع الذين يتم غسل أدمغتهم عبر صب المحتوى المنتج في أذهانهم عبر وسائل الإعلام المختلفة.
 
وفي هذا الإطار أصبحت النظريات المعيارية/الأخلاقية في علوم الاتصال محض حبر على ورق بما تتضمنه من قيم التوازن والمصداقية والمهنية، وبدأ التحيز يكون السمة الأساسية لوسائل الإعلام التقليدية، وبدا خيار التلاعب بالعقول كخيار أمثل لتوجيه آراء وتصورات المجتمعات نحو تبني الرؤية التي يريدها مالك الوسيلة الإعلامية.
 

المرحلة الثانية: الإعلام الجديد: 
نقصد بالإعلام الجديد New Media هنا ذلك المسار من مسارات التطور الإعلامي الذي بدأ بصورة خاصة بعد تطوير البنية التقليدية للإنترنت باتجاه ويب 2.0.
 
وويب 2.0 هو مصطلح إنترنتي ظهر في عام 2003، يشير إلى تلك التقنيات الجديدة التي أدت إلى تغيير سلوك شبكة الإنترنت. وبرغم أن الخبراء لا يؤمنون بوجود تعريف دقيق لـ "ويب 2.0". إلا أنهم متفقون على أنها تعبر ببساطة عن مجموعة من التطبيقات المعتمدة على خصائص الإنترنت، والتي يمكن تحديد خصائصها في سماحها للمستخدمين باستخدام برامج تعتمد على المتصفح/الموقع فقط. لذلك هؤلاء المستخدمين يستطيعون امتلاك قاعدة بيناتهم الخاصة على الموقع بالإضافة إلى القدرة على التحكم بها، كما أنها تسمح للمستخدمين بإضافة محتوى لتلك البرامج، وتسمح للمستخدمين بالتعبير عن أنفسهم واهتماماتهم وثقافتهم. وتزود هذه التطبيقات المستخدمين بأنظمة تفاعلية تسمح بمشاركتهم في تفاعل اجتماعي. وهي أخيرا تسمح للمستخدمين بإنشاء قواعد بيانات تشاركية وتسمح لهم بتعديل قواعد البيانات هذه من خلال إضافة وتغيير أو حذف المعلومات.
 
وبمعنى آخر، فإن الإنترنت الجديدة مثلت منصة Platform أو أنتجت بنية تحتية جديدة؛ هذه البنية تتيح لكل مستخدم من مستخدمي شبكة الإنترنت أن يضخ ما يراه من محتوى على هذه الشبكة. وبهذا المعنى أيضا، يمكننا أن نعرِّف ببساطة مسار "الإعلام الجديد" بأنه تطور في بنية الإنترنت بصفة خاصة، يتيح لمستخدمي هذه الشبكة بأن يكونوا طرفا في عملية التدفق الإعلامي؛ بدلا من كونهم محض متلقين للرسائل الإعلامية التي يرسلها مالكو وسائل الإعلام التقليدية. وتلك هي القيمة الأساسية للإعلام الجديد.
 
فالإعلام الجديد هو مرحلة أو مسار من مسارات تطور الوسائط الإعلامية يسمح لكل من لديه القدرة على الوصول لشبكة الإنترنت بأن يملك الحق في بث المحتوى على الإنترنت؛ سواء أكان هذا المحتوى معلومة أو رأيا، وسواء أكان نصا مكتوبا أم صورة أم ملفا صوتيا أم ملف فيديو أم عرضا تقديميا Presentation. وتعددت المواقع التي تعبر تتيح نشر الأشكال المختلفة؛ فظهر موقع YouTube وأقرانه للسماح بنشر ملفات الفيديو والصوت، وظهر موقع Flickr ونظرائه ليسمحوا بنشر الصور، وظخرت مواقع التدوين مثل Word Press وأترابه لتسمح بنشر النصوص.. إلخ.
 
وهكذا، فإنه من زاوية المعيار الأول الذي حددناه لمعرفة الفارق بين هذه المسارات الإعلامية، وهو معيار حيازة الوسيلة الإعلامية، فإن امتلاك إمكانية بث المحتوى على الإنترنت لم يعد حكرا على من يحوز ركائز القوة الاقتصادية أو السياسية، بل صار متاحا لكل من لديه القدرة على استثمار البنية التحتية التي وفرتها الإنترنت للجميع.
 
وبهذا المعنى، فالإنترنت الجديدة أدت إلى كسر احتكار البث الإعلامي. وبالنظر لطبيعة الإنترنت التي تتيح إمكانية تجاور الخطابات المختلفة وتتيحها للجميع، فإن ظاهرة التحيز الإعلامي أو المجتمع الإعلامي المغلق قد اختفت لتحل محلها ظاهرة المجتمع المفتوح الذي يملك فيه الجميع القدرة على عرض المعلومات والحقيقة بقدر ما يملك فيه الجميع القدرة على التعرض للاتجاهات الإعلامية المختلفة التي يعرض كلا منها وجها من أوجه الحقيقة؛ مما جعل المجتمع أكثر وعيا وقدرة على الإحاطة بكل ما يتاح من معلومات من مصادر متنوعة.
 
لكن على صعيد ثان، ووفق المعيار الثاني من المعايير التي نقارن بها بين مسارات الإعلام المختلفة، فإن هذا المسار من مسارات الإعلام لا يزال يشترك مع المسار التقليدي في أنه ينتمي للقالب الاتصالي الذي أسميناه One to Many. فبرغم إتاحة القدرة على البث للجميع؛ إلا أنه بالنسبة للقائم بالاتصال فإنه يتصور أنه يقوم بالبث بينما الجميع يستقبل رسائله الاتصالية. حيث لا إمكانية للمناقشة والتفاعل برغم أن بنية الإنترنت الجديدة تتيح التفاعل بقدر ما تتيح إمكانية البث. وبرغم أن كل وسائل البث أضافت إمكانية التعليق على المحتوى؛ إلا أن كل أصحاب المدونات أو أصحاب ألبومات الصور بات من حقهم أن يقرروا السماح بالتعليقات أو رفضها. وبعضهم بدأ يلجأ لأسلوب ترهيب قوي يعتمد على البذاءة في حال قرر إتاحة الفرصة للتعليق؛ مما كرس انتماء هذا المسار لظاهرة One to Many. وهذا ما أدى لظهور المسار الإعلامي الثالث: مسار الإعلام الاجتماعي.
 

المرحلة الثالثة: الإعلام الاجتماعي: 

نقصد بالإعلام الاجتماعي ذلك المسار الإعلامي الذي تطور عبر شبكات التواصل الاجتماعي ليتيح للجميع القدرة على التفاعل والدخول في حالة حوارية القصد منها مناقشة الآراء والاتجاهات التي ينشرها البعض على منصات شبكات التواصل الاجتماعي، للوصول إلى رؤية أكثر صدقية وأكثر توازنا حول الأخبار، والوصول لدرجة أكثر عمقا على صعيد تبادل الآراء والأفكار.
 
ذكرنا من قبل؛ إبان معالجتنا لمسار الإعلام الجديد أنه ينتمي لاتجاه One to Many في معالجة بث عملية بث المحتوى، وذكرنا أن منصات الإعلام الجديد حاولت أن تتيح إمكانية التعليق لتتيح لجمهرة مستخدمي الإنترنت تجاوز ظاهرة التدفق المحدود One to Many إلى ظاهرة تدفق جماعي Many to Many؛ إلا أن أصحاب المدونات وألبومات الصور وقنوات الفيديو رفضوا أو طوروا آليات دفاعية للحيلولة دون حدوث تدفق متوازن للمعلومات والآراء. فكان أن أقامت منصات الإعلام الاجتماعي هذا التوازن بان جعلت من حق أي فرد في نفس الشبكة أن ينتج المحتوى ويبثه، كما اتاحت للجميع القدرة على أن ينتجوا محتوى موازيا أو مخالفا ويقوموا ببثه، بل وأتاحت لكلا الفريقين أن يدخلا للتعليق والتعقيب على محتوى أحدهما الآخر، وأنتجت آلية لمنع التعليقات من أن تأخذ مسارا فظا من السباب أو البذاءة.
 
ويمكن اعتبار مسار الإعلام الاجتماعي مسارا مثاليا من مسارات الإعلام التفاعلي. وذلك استنادا للاعتبارات الآتية:
 
أ – من حق كل من له القدرة على الدخول للإنترنت أن يقوم بالبث أو بالبث اللاحق (التعليق).
ب – من حق كل من له القدرة على الدخول للإنترنت أن يقوم بإنتاج المحتوى من أي نوع وتبادله.
ج – تتعدد وسائط التعبير عن الرأي من الرسومات التعبيرية وحتى إنتاج الفيديو والنص والصورة والصوت في وضع يتساوى فيه الجميع مع بعضهم؛ بما في ذلك صاحب الأطروحة الأصلية. فصاحب الاطروحة الأصلية لا يزيد في حقوقه من البث عن حقوق من له الرغبة في التعقيب على محتواه.
د – التفاعل والتعليقات تؤدي لحدوث حالة حوار أو على الأقل حالة تطور لخطاب كل فريق له وجهة نظر مخالفة.
 
وتقبلوا فائق التقدير،،