الخميس، 23 أغسطس، 2012

هل تصبح دراسات الرأي العام الافتراضي البديل الأنسب؟

 هل تصبح دراسات الرأي العام الافتراضي البديل الأنسب لدراسات الرأي العام بتكلفتها العالية وصدقيتها المتراجعة؟ تعاني دراسات الرأي العام من عدة صعوبات تجعل هذه الدراسات تتسم بدرجة عالية من النسبية وقد لا تكون معبرة عن الرأي العام بصورة حقيقية، بالإضافة لصعوبات التكلفة التي تجعل من إجراء مسوح ودراسات الرأي العام – بعيدا عن الصعوبات المنهجية - أكثر صعوبة. وفيما يلي، نتناول أهم مشكلات بحوث ودراسات الرأي العام، في محاولة لتوضيح استجابات حقل دراسات الرأي العام الافتراضي لتجاوزها والتغلب عليها.

 

الرأي العام لم يعد ظاهرة كامنة

من المعروف في أدبيات دراسة الرأي العام أنه يظل كامنا حتى تظهر مسألة أو قضية معينة تظهر عادة حينما يوجد تصادم أو ظاهرة رفض، غير أن هذه الخاصية لم تعد قائمة فيما يتعلق بحقل دراسات الرأي العام الافتراضي. فمن خلال خبرتي المتواضعة في هذا المجال وجدت أن كل القضايا التي نحتاج التعرف عليها في المستقبل مثارة بالفعل، وطرح أسئلتها يبدأ بالفعل قبل وجود حدث مركزي هام يؤثر على مصالح الناس.
ففي المنصات المختلفة للإعلام الاجتماعي؛ والمتمثلة في الشبكات الاجتماعية العامة غير الوظيفية، ومساحات التعليق على المحتوى، وشبكات المحتوى المحدود، والمنتديات، هذه المنصات تضم نخبة كبيرة من المثقفين الذين ينتجون فاعليات متعددة تتعلق بمجالات اهتمامهم. هذه الفاعليات تتضمن ردودا من بقية المستخدمين الموجودين في دوائر اهتمامهم، كما تتضمن إعادة تدوير للمحتوى الذي ينشرونه بطرق مختلفة، وتكون وسائل إعادة التدوير أو الردود القائمة وسيلة لتحديد الفاعلين الأكثر اهتماما بقضية بعينها. ناهيك عن أن بعض المنصات تتضمن أكثر من أداة لبناء جماعات الاهتمام، وبخاصة الشبكات الاجتماعية والمنتديات التي تعد الإطار الأمثل لعملية بناء هذه الجماعات Community Building، وهو ما يتيح بناء قاعدة بيانات كبرى أو مرصد متخصص لكل قضية على حدة.
ومن الخواص الأكثر إلهاما في مجال دراسات الرأي العام الافتراضي أنه على عكس المتصور في دراسات الرأي العام الحقيقي، يمكن أن يكشف الرأي العام عن نفسه في أي حالة تأخذها القضية، سواء أكانت تمثل فرصة لمصالح جماعات الاهتمام - التي ستتحول إلى مجتمعنا البحثي في مرحلة فنية لاحقة – كما يمكن أن نتابعها حتى لو كانت القضية موضوع الرصد تمثل تفاعلا سلبيا مع مصالح هذه الجماعات المهتمة.
فمن السائد – كقناعة - في دراسات الرأي العام (الحقيقي) أنه يمكن أن يكشف الرأي العام عن نفسه حينما يكون العامل المؤثر أو التعبير عن الاتجاه بالأفعال ذات نتائج طيبة أكثر من النتائج السلبية. غير أن هذه القناعة تتحطم أمام الحالة الموضوعية التي نجد عليها استجابات وتغذيات جماعات الاهتمام، وهي التغذيات التي تنتج محتوى قابل للدراسة؛ سواء أكانت الظاهرة المحتملة تمثل تهديدا أو فرصة من وجهة نظر جماعات الاهتمام هذه. والأمر في هذه الحالة أقرب لاستطلاع رأي النخبة، وهو أمر له مزايا بقدر ما يحمل من تحيزات. لكن هذه التحيزات - على الأقل – يمكن أن تزودنا بتفاصيل ونتوءات طيبة فيما يتعلق بصياغة أسئلة البحث أو فرضياته. هذا إذا لم تكن هذه التحيزات قيمة في ذاتها تستحق الدراسة باعتبارها توفر الأساس الموضوعي للاستقطاب المستقبلي للرأي العام الافتراضي.



 

دراسة عملية تشكل الرأي العام ممكنة بفاعلية
 
من المعروف أن عملية دراسة تشكل الرأي العام وتحولاته تعتبر عملية صعبة، وبخاصة مع اللجوء للإجراءات البحثية الملائمة لدراسة هذه الظاهرة. فمثل هذه المتابعة تحتاج لتتابع مراحل رصد الرأي العام نفسها على فترات دورية تجاه نفس القضية أو تجاه حزمة من القضايا المجمعة، ومقارنة نتائج هذه الدراسات الدورية بنتائج تحليل مضمون وتحليل خطاب مصادر تشكيل الرأي العام من صحافة وقنوات فضائية، لمعرفة توجهات الرأي العام في أعقابها، وهو ما يعني ضمنا تحديد قنوات التأثير الفعال على الرأي العام في كل مرحلة من مراحل تحوله. هذه الصعوبة تكاد تختفي فيما يتعلق بدراسات الرأي العام الافتراضي.
المعروف أن الرأي العام يتكون عبر عدة مراحل تبدأ بمرحلة الإحساس والإدراك حيث يدرك العلاقة بين مصلحته وبين المدخلات التي تحاول التأثير عليها. وبعد تبلور هذا الإدراك تبدأ المرحلة الثانية المتمثلة في مرحلة تشكل الرأي الفردي ومحاولة نشره، ويلي ذلك أحد أهم مراحل تشكل الرأي العام المتمثلة في مرحلة التدافع بين رأي الفرد وآراء المحيطين به، حيث يبدأ الجمع في التحزب حول وجهات نظر محددة، ويحسم النقاش حجم هذه المساحات الاجتماعية المؤيدة لوجهة نظر أو رؤية من الرؤى، وهذه الأخيرة هي مرحلة تبلور الرأي العام.
وتكمن قيمة الواقع الافتراضي في دراسة عملية تشكل الرأي العام الافتراضي فيما يلي:
أ – تمتلك وسائل التعبير عن الرأي العام الافتراضي خاصية لا نكاد نتحصل على مثيلها في الواقع الحقيقي؛ إلا وهي خاصية "الطابع الزمني" أو "Time Stamp". وقيمة هذا الطابع الزمني أنه يمكنني بدرجة دقة عالية من متابعة تولد الآراء المختلفة، كما أنه يمكنني من الرصد الدقيق لتحولات الرأي العام الافتراضي. وغني عن البيان أن هذه الخاصية تتعدى في فائدتها هاتين الخدمتين، وتفاصيل ما تقدمه من نفع تختلف من دراسة لأخرى ومن موضوع لآخر، لكنها تمكن – بصفة عامة – من تحديد تأثير عنصر الزمن – على الظاهرة موضوع الدراسة.
ب – القيمة المهمة الأخرى التي توفرها لي البيئة الافتراضية تتمثل في ذلك الدمج المذهل والتزامن الدقيق بين الرأي العام الافتراضي وبين مصادر تشكله. فميزة الروابط التشعبية Hyper Linking وميزة التخزين طويل المدى اللذان يعتبران القيمة الأكبر للإنترنت تمكنان الناس من استدعاء أي نوع من المحتوى ووضعه في سياقه النقاشي/الحواري، سواء أكان هذا المحتوى نص أو صوت أو صورة أو فيديو أو حتى تاريخ نقاشي. وفي هذا السياق، فإن لدينا سياق قدرة مستخدم الإنترنت على تحويل المحتوى من وسيط إعلامي إلى آخر، حيث يمكنه تسجيل لقاء إذاعي أو تليفزيوني وبثه على الإنترنت عبر رابط دائم يمكن استخدامه عبر مختلف منصات وسائط التعبير عن الرأي العام الافتراضي. ومن هنا يمكن لنا متابعة تأثير مصادر تشكل الرأي العام على عملية بناء وتطور وتغير الرأي العام الافتراضي، بل ويمكننا الحديث عن ذلك التأثير من خلال وزن نسبي بدرجة صدقية عالية.



 

سهولة دراسة العناصر المؤثرة على الرأي العام الافتراضي

تمثل العوامل الثقافية إطارا حاكما للرأي العام؛ ويحدث التدافع في هذا الصدد بين روافد متعددة كالعلاقة بين الموروث والوافد، أو العلاقة بين التقاليد والأعراف وتداعيات تطور المجتمع الذي تظهر فيه ظاهرة الرأي العام. ويتأثر الرأي العام قطعا تأثرا كبيرا بالنسق السياسي السائد في محل تشكله وظهوره للعلن؛ حيث أن التدافع الإعلامي وحالة الحوار أو الصدام أو انعدام هذه العوامل جميعها يؤثر في بناء الرأي العام. كما أن الرأي العام يتأثر نوعيا بطبيعة نوعية الأحداث والمشكلات التي تحيله من حالة الكمون لحالة العلن، فضلا عن تأثير الإعلام والدعاية أو الشائعات. ويميل بعض الخبراء لاعتبار أن العوامل النفسية وحتى الفسيولوجية تؤثر على تشكيل الرأي العام؛ وإن كان الباحث يرى أن الاعتبارات النفسية والفسيولوجية عناصر ذات تأثير فردي، ولا يمكن اعتبارها إلا في حالة وجود ظاهرة نفسية أو فسيولوجية.
ويزودنا وعاء الرأي العام الافتراضي بإمكانية دراسة هذه العوامل جميعها من خلال ما يتيحه لنا من إمكانات الفصل بين المتغيرات التي تنتج الرأي العام في صورته الأخيرة (الأخيرة نسبيا بطبيعة الحال). حيث يمكننا بسهولة وضع فرضيات عن المتغيرات المنخرطة في حالة التدافع في عالم الأفكار كالمقابلة بين الأصالة والمعاصرة، أو الموروث والوافد، أو التيارات الفكرية المختلفة، أو حتى تأثير السمات الشخصية الأكثر فرادة كعناصر الشخصية والقدرة على التأثير في الرأي العام.
وإذا كانت دراسات الرأي العام في اتجاهها العام لا يمكنها تحديد تأثير العوامل النفسية أو الفسيولوجية، فإن قدرة وعاء الرأي العام الافتراضي على الفصل بين ظاهرة قيادة الرأي وصناعته وبين ظاهرة الرأي العام الافتراضي نفسها؛ فإن هذا يمنحنا قدرة هائلة على دراسة الشخصيات التي تتولى صناعة الرأي العام، ولداعي مراعاة البعد القانوني؛ فإن الخريطة الذهنية Profile التي تمكننا من دراسة العناصر النفسية والفسيولوجية يمكن أن تتسم بالمشروعية البعيدة تماما عن عملية انتهاك الخصوية التي هي عملية إجرامية أخلاقيا قبل أن تكون عملية إجرامية قانونا.
 


اعتبار التكلفة

لو نظرنا لاعتبار التكلفة لوجدنا أن دراسة الرأي العام تحتاج إلى إعداد استمارة مبدئية، ثم اللجوء لخبراء لتحكيمها، ثم اختبارها في دراسة استطلاعية، ثم العودة بها للخبراء بعد الدراسة الاستطلاعية لتحليل عيوبها، ثم تعديل هذه الاستمارة، ثم طباعتها، وتأتي بعد ذلك أصعب المراحل التي تتمثل في الحصول على عينة ممثلة للمجتمع البحثي، وتأتي من خلال الأجهزة المتخصصة أو من خلال اللجوء لأقرب بديل كافي يغني عن الوصول لعينة حقيقية تناسب أغراض البحث، سواء أكانت عينة عشوائية أو طبقية أو غيرها من أنواع العينات التي يلائم كل منها طبيعة السؤال البحثي الذي على الاستمارة وتطبيقها أن يجيبا عليه. وبعد ذلك على الباحث استئجار باحثين مساعدين للوصول بالاستمارة إلى المبحوثين، أو الاتصال بالمبحوثين للحصول على إجاباتهم على أسئلتها، ثم تكويد هذه الاستمارات، ثم تحليلها؛ وهو الإجراء الذي يحتاج لنسخة كاملة من تطبيقات تحليلية متخصصة في فحص وتحليل معطيات العلوم الاجتماعية، وأخيرا تأتي عملية كتابة التقرير النهائي، هذا بالطبع مع افتراض تجاوز عقبة موافقة الجهات المسؤولة عن مراقبة عملية جمع المعلومات من الجماهير.
اعتبار التكلفة يقف حائلا دون اتساع نطاق دراسات الرأي العام. وفي هذا السياق، تقف دراسات الرأي العام الافتراضي كبديل واعد يغني المؤسسات البحثية عن اللجوء لقطاع كبير من هذه السلسلة الطويلة من الإجراءات المكلفة.
فالمجتمع البحثي – في الواقع الافتراضي - متاح ومصنف بصورة أولية؛ بما يساعد على إجراء الدراسة الاستطلاعية. وتجدر الإشارة إلى أن التصنيف الذي تحدثنا عنه للمجتمع البحثي هو السبيل الأنجع للوصول إلى دراسة سليمة وقانونية. فجمع البيانات الافتراضية يحتاج إلى تجاوز عقبة قانونية مهمة تسمى عقبة احتمال انتهاك الخصوصية. والقيمة الأساسية لما نسميه فهرسة وتصنيف المجتمع البحثي هنا أنها وسيلة لتجاوز الحسابات الشخصية والوصول إلى ما يمكن تسميته "المجال العام الافتراضي"؛ حيث لا مجال لوجود خصوصية تطغى على المحتوى الذي ينتجه أعضاء الشبكات الاجتماعية.
كل ما على الباحث في هذا الصدد أن يقوم بعملية إعداد بسيطة من خلال بناء مرصد يجمع هذا التصنيف الأولي، وأن يحدد بدقة صيغة الأسئلة التي يحتاج الإجابة عليها، ثم يحدد فئات الرصد التي تحقق هدفه من الدراسة؛ ثم يشرع في العمل الفني البحثي.
 


اعتبار صدقية التعبير عن المجتمع البحثي 
من الظواهر بالغة الأهمية التي تطعن – من وجهة نظر الباحث – في نتيجة دراسات "الرأي العام الحقيقي" أن الباحث المسؤول عن المشروع البحثي يكون إشرافه على سير الإجراءات في مرحلة جمع البيانات إشرافا صوريا. فهو لا يمكنه توثيق مساحة لقاء الباحث المساعد مع المبحوث، ولا يمكنه التأكد يقينا من أن الباحث المساعد قد التقى أفراد العينة المعبرة عن المجتمع البحثي المستهدف، ولا يمكنه الجزم بان الباحث التقى مبحوثين فعلا أو أنه قام بتسويد الاستمارات بنفسه. ويزداد الأمر سوءا في حال كون الاستمارة خلو من البيانات الشخصية للمبحوث، وهو الأمر الغالب في دراسات الرأي العام "الحقيقي".
الأمر يختلف عن هذا تماما في سياق دراسات الراي العام الافتراضي. فالعلاقة وثيقة بين الباحث الرئيس وبين المجتمع البحثي. وحتى مع وجود باحث مساعد، فإن قواعد البيانات الخاصة بالمرصد تجعله قادرا على متابعة عينة من إفادات المجتمع البحثي، إن بصورة فردية أو بصورة كلية جماعية، وهو ما يجعل البحث أكثر دقة في التعبير عن الرأي العام.
والأكثر إفادة في هذا الصدد أن الباحث يكون قادرا على التمييز بين المصادر المحتملة لإنتاج دراسة متحيزة. فالرأي العام الافتراضي عرضة للتأثر بمتغيرات التكتل التعبيري؛ الذي يسميه البعض اللجان الإليكترونية؛ إن المؤيدة أو المعارضة. هذا التكتل التعبيري يمكن اكتشافه بسهولة عبر التأكد من سلامة عضوية أعضاء أي منصة افتراضية. وهذا يكون من أدوار المشرفين على المرصد الذي يمثل قاعدة البيانات الأكبر في هذا النوع من الدراسات.

السبت، 14 يوليو، 2012

ماهية الرأي العام الافتراضي



يصعب تقبل تعريف الرأي العام الافتراضي قبل أن ندرك أبعاده وخصوصيته، ومع هذا؛ نجد أنه من المهم وضع أرضية ملموسة في البداية قبل أن ننطلق لنحدد معها سمات الرأي العام الافتراضي التي تمنحه قدرا من التمايز عن الرأي العام.

نحو تعريف مبدئي للرأي العام الافتراضي
والرأي العام الافتراضي كما يراه الباحث هو خريطة، تعكس محصلة التدافع بين وجهات نظر الجماعات المختلفة؛ الناشطة أونلاين؛ عبر مختلف منصات التعبير عن الرأي؛ حيال قضية أو قرار أو حدث يمس مصلحة حيوية أو أكثر من مصالح هذه الجماعات.وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن منصات التعبير عن الرأي العام هي: 
أ – الشبكات الاجتماعية العامة غير الوظيفية: ونعنى بها هنا مواقع التشبيك الاجتماعي مثل Facebook أو Orkut أو Hi5. وياخذ فيها الحوار طابعا لا يكاد يفرق بين منتج المحتوى الأساسي أو المحتوى المشتبك معه؛ حيث إن هذه المنصات؛ وبخاصة Facebook لا يفرق بين الإمكانيات المتاحة لمنتج المحتوى الأساسي (POST) والإمكانت المتاحة للاشتباك معه (Comment) أو (Like) أو (Emotions).. إلخ. وقد استبعدنا الشبكات الوظيفية مثل Flixter وغيرها لأنها تكون متعلقة بموضوعها أكثر منها معنية بإدارة النقاش حول قضية عامة.
ب – مساحات التعليق على المحتوى: ونعني بها تلك المساحات التي يقوم فيها متلقي المحتوى الاتصالي عبر الإنترنت بإبداء رأيه تعليقا على المحتوى، سواء أكان هذا المحتوى فيديو كما في YouTube، أو صورة كما في Picasa أو Flickr، أو نص خبري كما في التعليقات على محتوى المواقع الإخبارية، أو في شبكات التدوين المختلفة.
ج – شبكات المحتوى المحدود: ونعني بها مواقع مثل تويتر Twitter وTwit Pics، وغيرها.
د – المنتديات.

الرأي العام الافتراضي وارتباطه بـ"ويب 3.0"
وبالرغم من أن معظم الكتابات الغربية حتى اليوم؛ مثل كتابات Zizi Papacharissi و CHIN-FU HUNG وPatrick Marshal؛ لا تزال تربط ما بين الإعلام الجديد وظاهرة الرأي العام الافتراضي، وبعضها يتحدث عن قواعد البيانات التقليدية المتعلقة بالتصويت؛ إلا أن الرأي العام الافتراضي ظاهرة لا تتعلق بالإعلام الجديد New Media في ذاته، بل تتعلق بمرحلة نوعية منه هي المرحلة المتأخرة من الجيل الثاني للإنترنت WEB 2.0؛ وهي المرحلة المعروفة تجاوزا باسم Web 3.0، مع استثناء وحيد ذو طبيعة خاصة سنأتي على ذكره لاحقا، وطبيعته الخاصة هذه تجعلنا مترددين في احتسابه ضمن منصات الإعلام الاجتماعي أم لا.وهذا يجرنا للتساؤل حول قيمة ويب 3.0 في بناء تعريف الرأي العام الافتراضي. ومدى جوهرية تطور الإنترنت في تحديد الرأي العام الافتراضي مما لا يمكن اعتباره رأيا عاما افتراضيا. وبادئ ذي بدء نحتاج لتعريف معنى ويب 2.0 وويب 3.0.
 

ويب 2.0 هو مصطلح إنترنتي ظهر في عام 2003، يشير إلى تلك التقنيات الجديدة التي أدت إلى تغيير سلوك شبكة الإنترنت. وبرغم أن الخبراء لا يؤمنون بوجود تعريف دقيق لـ "ويب 2.0". إلا أنهم متفقون على أنها تعبر ببساطة عن مجموعة من التطبيقات المعتمدة على خصائص الإنترنت، والتي يمكن تحديد خصائصها في سماحها للمستخدمين باستخدام برامج تعتمد على المتصفح/الموقع فقط. لذلك هؤلاء المستخدمين يستطيعون امتلاك قاعدة بيناتهم الخاصة على الموقع بالإضافة إلى القدرة على التحكم بها، كما أنها تسمح للمستخدمين بإضافة محتوى لتلك البرامج، وتسمح للمستخدمين بالتعبير عن أنفسهم واهتماماتهم وثقافتهم. وتزود هذه التطبيقات المستخدمين بأنظمة تفاعلية تسمح بمشاركتهم في تفاعل اجتماعي. وهي أخيرا تسمح للمستخدمين بإنشاء قواعد بيانات تشاركية وتسمح لهم بتعديل قواعد البيانات هذه من خلال إضافة وتغيير أو حذف المعلومات.
 

أما ويب 3.0 فتعتبر جزء من ثورة ويب 2.0، لكنها جزء نوعي، يقوم على بناء حزمة من التطبيقات التي سهلت تنقل المحتوى من موقع لآخر ومن وسيط إنترنتي لوسيط إنترنتي آخر، كأن ننقل فيديو من موقع يوتيوب لمدونة من المدونات أو لشبكة تواصل اجتماعي مثل فيسبوك Facebook، وهو ما سهل التشبيك بين قوالب المحتوى المختلفة نفسها، وسهل عملية تبادل وتداول الأفكار بقدر ما سهل عملية دعم ونقد الأفكار.

لماذا إذا نعتبر ويب 3.0 جزءا لا يتجزأ من تعريف الرأي العام الافتراضي؟ ولماذا نتخذ تدابير استثنائية حيال كل منصة من منصات الإعلام الاجتماعي لا تنتمي لهذه المرحلة من مراحل تطور الشبكة العنكبوتية؟ الإجابة تتمثل فيما أسميه بـ"سيادة مستخدم الإنترنت". فماذا تعني سيادة المستخدم؟

الإنترنت الجديدة وسيادة المستخدم
"سيادة مستخدم الإنترنت" مصطلح صككته للتعبير عن مدى احترام رأي مستخدم الإنترنت في المنصات الاجتماعية. فالفارق الأساسي ما بين ويب 1.0 وويب 3.0 أن مساهمة المستخدم تكون محل تقدير أكثر، وموضع احترام أعلى.
ففي المواقع المنبنية على قواعد بيانات تنتمي لـ"ويب 1.0" و"ويب 2.0" نجد أن مساهمات مستخدمي الإنترنت تكون مكشوفة بالكامل لأي شخص له صلاحيات إدارية في الموقع، ويستطيع في هذا الصدد أن يتعامل مع مشاركات زوار الموقع بصفته إلها يمنح حق الوجود ويحكم بالعدم على ما يشاء من مساهمات زوار الموقع. بل إنه يملك كل الحق في أن يتحكم بعضوية الزائر نفسه، ناهيك عن استطاعته التحكم في صلاحياته؛ فيمنعه بالتالي من دخول أقسام بعينها أو من التمتع بحقوق بعينها.
الأمر يختلف مع تطبيقات ويب 3.0 التشبيكية، حيث إن مساهمات المستخدم تقع تحت سيطرته هو فقط، ومن ثم فهو وحده من له الحق في أن يضيف ما يشاء وأن يمحو ما يشاء. ففي هذه النوعية من التطبيقات صار المستخدم هو السيد وليس مالك الموقع.
ولكي نكون عمليين أكثر؛ لنأخذ أمثلة تطبيقية.

قراءة في سمات مواقع المحتوى المنتج بواسطة المستخدمين
تنتمي المدونات وسائر مواقع "المحتوى المنتج بواسطة المستخدمين UGC"؛ مثل YouTube وFlickr وغيرها إلى مساحة الإعلام الجديد New Media المنتمية إلى ويب 2.0، ولكن هل يجعلها هذا من قبيل منصات الرأي العام الافتراضي؟ والإجابة على ذلك هي قطعا لا. فهي بهذا المعنى لا تعدو أن تكون مساحات لنشر المحتوى لا تختلف عن مساحة الإنترنت القديمة سوى في أنها كسرت احتكار القلة للنشر عبر الإنترنت وقضت على أوتوقراطية الإنترنت القديمة وأوليجاركيتها.المتأمل للمدونات ومواقع التيوب ومواقع ألبومات الصور يجد أنها لا تنتمي لجيل الإعلام متعدد الاتجاهات Many to Many إلا بصورة مجازية؛ حتى لو اعتبرناها في أيام تعرفنا الأولي على النيوميديا باعتبارها تنتمي لجيل الإعلام متعدد الاتجاهات. ففي النهاية كل صاحب محتوى أصبح له الحق في نشره فقط. أما الإعلام الاجتماعي فكان حتى وقت قريب يتمثل فقط في الشبكات الاجتماعية.
غير أن التطور التقني في ويب 3.0 جعل الشبكات الاجتماعية تطور من قدرتها على احتواء المحتوى، كما سمح لمواقع المحتوى المنتج بواسطة المستخدمين USER Generated Content أو UGC بتطوير إمكانياتها التشبيكية؛ وإن كان تطور الإمكانات التشبيكية لمواقع الـ UGCتم بصورة أكثر تواضعا بكثير من ذلك التطور الذي شهدته مواقع التشبيك في تطوير قدرتها على احتواء المحتوى نصا كان أو صورة أو فيديو. وهكذا؛ فإن إتاحة التعليق في مواقع UGC نقلت هذه المواقع إلى مساحات المواقع المعبرة عن الرأي العام الافتراضي جنبا إلى جنب مع الشبكات الاجتماعية، وأضحى المستخدم يتمتع بسيادة على أي محتوى أو محتوى مضاد يقوم هو نفسه بإضافته.

قراءة في سمات مساحات التعليق على مواقع المحتوى
عندما ننظر إلى إمكانية التعليق على المواقع الإخبارية نجد أن هذه المواقع تنقسم بحسب هذه الإمكانية إلى ثلاثة أقسام:أ - قسم بائد يكاد يذوي لا يتيح إمكانية التعليق.
ب - قسم يتسع ياستمرار يتيح إمكانية التعيق مع إتاحة القدرة لمالك الموقع الإخباري على التحكم في التعليقات.
ج - قسم ثالث يتيح لمستخدمي الإنترنت التعيق فيه عقب اشتراكهم في الموقع بأحد الهويات المفتوحة Open Ids مثل Twitter أو Facebook أو Google+.
هذه الأشكال الثلاثة تثير إشكالية تتعلق بتحديد ما ينتمي للرأي العام الافتراضي وما لا ينتمي إليه. فلو استبعدنا تماما المواقع الإعلامية التي لا تتيح إمكانية التعليق سنجد أننا أمام نمطين من مساحات التعليق على المحتوى:
النمط الأول يمكن فيه لمالك الموقع التحكم في التعليقات والسماح بنشر بعضها واستبعاد البعض الآخر، وهو ما يجعل من الصعب منطقا وعملا أن نستوعب مساحة التعليق هذه ضمن منصات الإعلام الاجتماعي المعبرة عن الرأي العام الافتراضي، ما لم نرصد اتجاهات التعليق في هذه المواقع باعتبارها اتجاهات مجردة من دون منحها أوزانا نسبية.
أما النمط الثاني المتمثل في تلك المواقع التي تعمل وفق الهويات المفتوحة؛ فنجد أن مالك موقع المحتوى لا يمكنه التحكم في التعليقات بصورة فردية؛ فهو إما أن يتيح إمكانية التعليق أو لا يتيحها؛ فإذا أتاحها فليس في مقدوره أن يستبعد أيا من التعليقات الواردة من المستخدمين.
ومن نافلة القول في هذا الصدد أن غالبية مواقع UGC تنتمي لذلك القسم الذي يعتمد على الهويات المفتوحة.

المنتديات وسماتها: معضلة الرأي العام الافتراضي
وهو ما سلف وذكرنا أنه يمثل استثناء قاعدة انتماء كل المنصات المعبرة عن الرأي العام الافتراضي إلى ويب 3.0. وهو منصة "المنتديات". وقد نشأت هذه المنصة بصورة أساسية لتعميق مشاركة مستخدمي الإنترنت في إثراء المحتوى؛ بالإضافة لطابعها الخدمي. وارتبطت منذ ظهورها بقدرة مستخدميها على إضافة المحتوى وإثارة النقاش حوله. حتى إن بعض المنتديات بالغت في طلب المشاركة فجعلت التعليق شرط تحميل أي محتوى مدرج في مداخلات أقسامها الفرعية. وبرغم هذه الطبيعة الخاصة؛ إلا أن هذه المنصة لا تنتمي لجيل ويب 3.0؛ فهل هذا ميزة أم عيب؟المشكل المتعلق بالمنتديات يتمثل في أن أي عضو يتم منحه صلاحيات المدير العام للمنتدى أو مدير لأي قسم من أقسام المنتدى، يكون من بين الإمكانات المتاحة أمامه أن يقوم بحذف أي تعليق يراه مخالفا لـ"سياسة المنتدى التحريرية"، أو مخالفا لتفسيره لـ"سياسة المنتدى التحريرية".
هذه المشكلة تجعل من الصعب تقبل حالة المنتدى باعتبارها منصة من منصات التعبير عن الرأي العام الافتراضي. ولكن من ناحية أخرى، يرى البعض أن هذه المنصة قد تكون مفيدة في التعبير عن توجهات أعضاء المنتدى المنخرطين وفق سياسته التحريرية. أي أنها حالة فريدة يتم فيها اعتبار المنتدى الواحد تعبير عن اتجاه أساسي داخل الرأي العام الافتراضي، وهو ما يعني أن المهتم بدراسة المنتديات كمنصة للتعبير عن الرأي العام الافتراضي يتعين عليه أن يكون لديه خريطة بالمنتديات والتوجهات التي تعبر عنها؛ حتى يتمكن من رسم صورة دقيقة لتمثيل الرأي العام الافتراضي في المنتديات.

خاتمة توضيحية
عقب هذا العرض السريع نستطيع أن نؤكد أن المنصات التي ترتبط بـ"ويب 3.0" تكاد تكون المنصات الوحيدة التي يمكن التعامل معها باعتبارها منصات معبرة عن الرأي العام الافتراضي بدون تحوطات أو احترازات منهجية خاصة. وما دون ذلك؛ فإن كل منصة يكون لها احترازاتها الخاصة التي تلائم طبيعتها وسلوكها الخاص بها في التعامل مع المحتوى الذي ينتجه المستخدم. وفي النهاية؛ فإن مصدر النسبية الوحيد بصدد اعتبار أي منصة كمعبر عن الرأي العام الافتراضي يتمثل في مدى ما توفره من احترام لمشاركة المستخدم.