السبت، 14 يوليو، 2012

ماهية الرأي العام الافتراضي



يصعب تقبل تعريف الرأي العام الافتراضي قبل أن ندرك أبعاده وخصوصيته، ومع هذا؛ نجد أنه من المهم وضع أرضية ملموسة في البداية قبل أن ننطلق لنحدد معها سمات الرأي العام الافتراضي التي تمنحه قدرا من التمايز عن الرأي العام.

نحو تعريف مبدئي للرأي العام الافتراضي
والرأي العام الافتراضي كما يراه الباحث هو خريطة، تعكس محصلة التدافع بين وجهات نظر الجماعات المختلفة؛ الناشطة أونلاين؛ عبر مختلف منصات التعبير عن الرأي؛ حيال قضية أو قرار أو حدث يمس مصلحة حيوية أو أكثر من مصالح هذه الجماعات.وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن منصات التعبير عن الرأي العام هي: 
أ – الشبكات الاجتماعية العامة غير الوظيفية: ونعنى بها هنا مواقع التشبيك الاجتماعي مثل Facebook أو Orkut أو Hi5. وياخذ فيها الحوار طابعا لا يكاد يفرق بين منتج المحتوى الأساسي أو المحتوى المشتبك معه؛ حيث إن هذه المنصات؛ وبخاصة Facebook لا يفرق بين الإمكانيات المتاحة لمنتج المحتوى الأساسي (POST) والإمكانت المتاحة للاشتباك معه (Comment) أو (Like) أو (Emotions).. إلخ. وقد استبعدنا الشبكات الوظيفية مثل Flixter وغيرها لأنها تكون متعلقة بموضوعها أكثر منها معنية بإدارة النقاش حول قضية عامة.
ب – مساحات التعليق على المحتوى: ونعني بها تلك المساحات التي يقوم فيها متلقي المحتوى الاتصالي عبر الإنترنت بإبداء رأيه تعليقا على المحتوى، سواء أكان هذا المحتوى فيديو كما في YouTube، أو صورة كما في Picasa أو Flickr، أو نص خبري كما في التعليقات على محتوى المواقع الإخبارية، أو في شبكات التدوين المختلفة.
ج – شبكات المحتوى المحدود: ونعني بها مواقع مثل تويتر Twitter وTwit Pics، وغيرها.
د – المنتديات.

الرأي العام الافتراضي وارتباطه بـ"ويب 3.0"
وبالرغم من أن معظم الكتابات الغربية حتى اليوم؛ مثل كتابات Zizi Papacharissi و CHIN-FU HUNG وPatrick Marshal؛ لا تزال تربط ما بين الإعلام الجديد وظاهرة الرأي العام الافتراضي، وبعضها يتحدث عن قواعد البيانات التقليدية المتعلقة بالتصويت؛ إلا أن الرأي العام الافتراضي ظاهرة لا تتعلق بالإعلام الجديد New Media في ذاته، بل تتعلق بمرحلة نوعية منه هي المرحلة المتأخرة من الجيل الثاني للإنترنت WEB 2.0؛ وهي المرحلة المعروفة تجاوزا باسم Web 3.0، مع استثناء وحيد ذو طبيعة خاصة سنأتي على ذكره لاحقا، وطبيعته الخاصة هذه تجعلنا مترددين في احتسابه ضمن منصات الإعلام الاجتماعي أم لا.وهذا يجرنا للتساؤل حول قيمة ويب 3.0 في بناء تعريف الرأي العام الافتراضي. ومدى جوهرية تطور الإنترنت في تحديد الرأي العام الافتراضي مما لا يمكن اعتباره رأيا عاما افتراضيا. وبادئ ذي بدء نحتاج لتعريف معنى ويب 2.0 وويب 3.0.
 

ويب 2.0 هو مصطلح إنترنتي ظهر في عام 2003، يشير إلى تلك التقنيات الجديدة التي أدت إلى تغيير سلوك شبكة الإنترنت. وبرغم أن الخبراء لا يؤمنون بوجود تعريف دقيق لـ "ويب 2.0". إلا أنهم متفقون على أنها تعبر ببساطة عن مجموعة من التطبيقات المعتمدة على خصائص الإنترنت، والتي يمكن تحديد خصائصها في سماحها للمستخدمين باستخدام برامج تعتمد على المتصفح/الموقع فقط. لذلك هؤلاء المستخدمين يستطيعون امتلاك قاعدة بيناتهم الخاصة على الموقع بالإضافة إلى القدرة على التحكم بها، كما أنها تسمح للمستخدمين بإضافة محتوى لتلك البرامج، وتسمح للمستخدمين بالتعبير عن أنفسهم واهتماماتهم وثقافتهم. وتزود هذه التطبيقات المستخدمين بأنظمة تفاعلية تسمح بمشاركتهم في تفاعل اجتماعي. وهي أخيرا تسمح للمستخدمين بإنشاء قواعد بيانات تشاركية وتسمح لهم بتعديل قواعد البيانات هذه من خلال إضافة وتغيير أو حذف المعلومات.
 

أما ويب 3.0 فتعتبر جزء من ثورة ويب 2.0، لكنها جزء نوعي، يقوم على بناء حزمة من التطبيقات التي سهلت تنقل المحتوى من موقع لآخر ومن وسيط إنترنتي لوسيط إنترنتي آخر، كأن ننقل فيديو من موقع يوتيوب لمدونة من المدونات أو لشبكة تواصل اجتماعي مثل فيسبوك Facebook، وهو ما سهل التشبيك بين قوالب المحتوى المختلفة نفسها، وسهل عملية تبادل وتداول الأفكار بقدر ما سهل عملية دعم ونقد الأفكار.

لماذا إذا نعتبر ويب 3.0 جزءا لا يتجزأ من تعريف الرأي العام الافتراضي؟ ولماذا نتخذ تدابير استثنائية حيال كل منصة من منصات الإعلام الاجتماعي لا تنتمي لهذه المرحلة من مراحل تطور الشبكة العنكبوتية؟ الإجابة تتمثل فيما أسميه بـ"سيادة مستخدم الإنترنت". فماذا تعني سيادة المستخدم؟

الإنترنت الجديدة وسيادة المستخدم
"سيادة مستخدم الإنترنت" مصطلح صككته للتعبير عن مدى احترام رأي مستخدم الإنترنت في المنصات الاجتماعية. فالفارق الأساسي ما بين ويب 1.0 وويب 3.0 أن مساهمة المستخدم تكون محل تقدير أكثر، وموضع احترام أعلى.
ففي المواقع المنبنية على قواعد بيانات تنتمي لـ"ويب 1.0" و"ويب 2.0" نجد أن مساهمات مستخدمي الإنترنت تكون مكشوفة بالكامل لأي شخص له صلاحيات إدارية في الموقع، ويستطيع في هذا الصدد أن يتعامل مع مشاركات زوار الموقع بصفته إلها يمنح حق الوجود ويحكم بالعدم على ما يشاء من مساهمات زوار الموقع. بل إنه يملك كل الحق في أن يتحكم بعضوية الزائر نفسه، ناهيك عن استطاعته التحكم في صلاحياته؛ فيمنعه بالتالي من دخول أقسام بعينها أو من التمتع بحقوق بعينها.
الأمر يختلف مع تطبيقات ويب 3.0 التشبيكية، حيث إن مساهمات المستخدم تقع تحت سيطرته هو فقط، ومن ثم فهو وحده من له الحق في أن يضيف ما يشاء وأن يمحو ما يشاء. ففي هذه النوعية من التطبيقات صار المستخدم هو السيد وليس مالك الموقع.
ولكي نكون عمليين أكثر؛ لنأخذ أمثلة تطبيقية.

قراءة في سمات مواقع المحتوى المنتج بواسطة المستخدمين
تنتمي المدونات وسائر مواقع "المحتوى المنتج بواسطة المستخدمين UGC"؛ مثل YouTube وFlickr وغيرها إلى مساحة الإعلام الجديد New Media المنتمية إلى ويب 2.0، ولكن هل يجعلها هذا من قبيل منصات الرأي العام الافتراضي؟ والإجابة على ذلك هي قطعا لا. فهي بهذا المعنى لا تعدو أن تكون مساحات لنشر المحتوى لا تختلف عن مساحة الإنترنت القديمة سوى في أنها كسرت احتكار القلة للنشر عبر الإنترنت وقضت على أوتوقراطية الإنترنت القديمة وأوليجاركيتها.المتأمل للمدونات ومواقع التيوب ومواقع ألبومات الصور يجد أنها لا تنتمي لجيل الإعلام متعدد الاتجاهات Many to Many إلا بصورة مجازية؛ حتى لو اعتبرناها في أيام تعرفنا الأولي على النيوميديا باعتبارها تنتمي لجيل الإعلام متعدد الاتجاهات. ففي النهاية كل صاحب محتوى أصبح له الحق في نشره فقط. أما الإعلام الاجتماعي فكان حتى وقت قريب يتمثل فقط في الشبكات الاجتماعية.
غير أن التطور التقني في ويب 3.0 جعل الشبكات الاجتماعية تطور من قدرتها على احتواء المحتوى، كما سمح لمواقع المحتوى المنتج بواسطة المستخدمين USER Generated Content أو UGC بتطوير إمكانياتها التشبيكية؛ وإن كان تطور الإمكانات التشبيكية لمواقع الـ UGCتم بصورة أكثر تواضعا بكثير من ذلك التطور الذي شهدته مواقع التشبيك في تطوير قدرتها على احتواء المحتوى نصا كان أو صورة أو فيديو. وهكذا؛ فإن إتاحة التعليق في مواقع UGC نقلت هذه المواقع إلى مساحات المواقع المعبرة عن الرأي العام الافتراضي جنبا إلى جنب مع الشبكات الاجتماعية، وأضحى المستخدم يتمتع بسيادة على أي محتوى أو محتوى مضاد يقوم هو نفسه بإضافته.

قراءة في سمات مساحات التعليق على مواقع المحتوى
عندما ننظر إلى إمكانية التعليق على المواقع الإخبارية نجد أن هذه المواقع تنقسم بحسب هذه الإمكانية إلى ثلاثة أقسام:أ - قسم بائد يكاد يذوي لا يتيح إمكانية التعليق.
ب - قسم يتسع ياستمرار يتيح إمكانية التعيق مع إتاحة القدرة لمالك الموقع الإخباري على التحكم في التعليقات.
ج - قسم ثالث يتيح لمستخدمي الإنترنت التعيق فيه عقب اشتراكهم في الموقع بأحد الهويات المفتوحة Open Ids مثل Twitter أو Facebook أو Google+.
هذه الأشكال الثلاثة تثير إشكالية تتعلق بتحديد ما ينتمي للرأي العام الافتراضي وما لا ينتمي إليه. فلو استبعدنا تماما المواقع الإعلامية التي لا تتيح إمكانية التعليق سنجد أننا أمام نمطين من مساحات التعليق على المحتوى:
النمط الأول يمكن فيه لمالك الموقع التحكم في التعليقات والسماح بنشر بعضها واستبعاد البعض الآخر، وهو ما يجعل من الصعب منطقا وعملا أن نستوعب مساحة التعليق هذه ضمن منصات الإعلام الاجتماعي المعبرة عن الرأي العام الافتراضي، ما لم نرصد اتجاهات التعليق في هذه المواقع باعتبارها اتجاهات مجردة من دون منحها أوزانا نسبية.
أما النمط الثاني المتمثل في تلك المواقع التي تعمل وفق الهويات المفتوحة؛ فنجد أن مالك موقع المحتوى لا يمكنه التحكم في التعليقات بصورة فردية؛ فهو إما أن يتيح إمكانية التعليق أو لا يتيحها؛ فإذا أتاحها فليس في مقدوره أن يستبعد أيا من التعليقات الواردة من المستخدمين.
ومن نافلة القول في هذا الصدد أن غالبية مواقع UGC تنتمي لذلك القسم الذي يعتمد على الهويات المفتوحة.

المنتديات وسماتها: معضلة الرأي العام الافتراضي
وهو ما سلف وذكرنا أنه يمثل استثناء قاعدة انتماء كل المنصات المعبرة عن الرأي العام الافتراضي إلى ويب 3.0. وهو منصة "المنتديات". وقد نشأت هذه المنصة بصورة أساسية لتعميق مشاركة مستخدمي الإنترنت في إثراء المحتوى؛ بالإضافة لطابعها الخدمي. وارتبطت منذ ظهورها بقدرة مستخدميها على إضافة المحتوى وإثارة النقاش حوله. حتى إن بعض المنتديات بالغت في طلب المشاركة فجعلت التعليق شرط تحميل أي محتوى مدرج في مداخلات أقسامها الفرعية. وبرغم هذه الطبيعة الخاصة؛ إلا أن هذه المنصة لا تنتمي لجيل ويب 3.0؛ فهل هذا ميزة أم عيب؟المشكل المتعلق بالمنتديات يتمثل في أن أي عضو يتم منحه صلاحيات المدير العام للمنتدى أو مدير لأي قسم من أقسام المنتدى، يكون من بين الإمكانات المتاحة أمامه أن يقوم بحذف أي تعليق يراه مخالفا لـ"سياسة المنتدى التحريرية"، أو مخالفا لتفسيره لـ"سياسة المنتدى التحريرية".
هذه المشكلة تجعل من الصعب تقبل حالة المنتدى باعتبارها منصة من منصات التعبير عن الرأي العام الافتراضي. ولكن من ناحية أخرى، يرى البعض أن هذه المنصة قد تكون مفيدة في التعبير عن توجهات أعضاء المنتدى المنخرطين وفق سياسته التحريرية. أي أنها حالة فريدة يتم فيها اعتبار المنتدى الواحد تعبير عن اتجاه أساسي داخل الرأي العام الافتراضي، وهو ما يعني أن المهتم بدراسة المنتديات كمنصة للتعبير عن الرأي العام الافتراضي يتعين عليه أن يكون لديه خريطة بالمنتديات والتوجهات التي تعبر عنها؛ حتى يتمكن من رسم صورة دقيقة لتمثيل الرأي العام الافتراضي في المنتديات.

خاتمة توضيحية
عقب هذا العرض السريع نستطيع أن نؤكد أن المنصات التي ترتبط بـ"ويب 3.0" تكاد تكون المنصات الوحيدة التي يمكن التعامل معها باعتبارها منصات معبرة عن الرأي العام الافتراضي بدون تحوطات أو احترازات منهجية خاصة. وما دون ذلك؛ فإن كل منصة يكون لها احترازاتها الخاصة التي تلائم طبيعتها وسلوكها الخاص بها في التعامل مع المحتوى الذي ينتجه المستخدم. وفي النهاية؛ فإن مصدر النسبية الوحيد بصدد اعتبار أي منصة كمعبر عن الرأي العام الافتراضي يتمثل في مدى ما توفره من احترام لمشاركة المستخدم.